في مطلع الألفية الجديدة، جاء ميثاق العمل الوطني الذي طرحه جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، للتصويت الشعبي بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد، محطة مفصلية في تاريخ البحرين السياسي، لما حملته هذه الوثيقة من إعلان لشكل الدولة الحديثة التي أرادها الملك المعظم.

لقد أرسى الميثاق الوطني، الذي يعتبر جسرًا للانتقال من مرحلة سياسية ودستورية إلى أخرى أكثر تقدماً، دولة حديثة تستند إلى تاريخها العريق، لكنها في الوقت ذاته تتقدم نحو المستقبل بثقة أكبر، حيث يشارك في بنائها جميع أبنائها بلا استثناء.

وبعد 25 عاماً من تلك الحقبة الجميلة في تاريخ البحرين، ربما نحتاج إلى العودة إلى تلك الوثيقة لقراءتها بهدف فهم حجم التحولات التي صنعتها اليوم للجيل الجديد. وفي واحدة من أهم تلك التحولات هي المكانة التي منحها الميثاق للمرأة البحرينية عندما منحها الميثاق مساحة أوسع للتحرك في ميادين السياسة والحياة العامة. ونص بند «سابعاً» من الفصل الثاني لميثاق العمل الوطني بصراحة على أن المواطنين - رجالاً ونساء - يتمتعون بحق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية في الدولة بدءاً بحق الانتخاب والترشيح طبقاً لأحكام القانون.

لم تكن هذه العبارة - وإن جاءت بين شرطتين اعتراضيتين - تفصيلاً عابراً في الوثيقة؛ بل كانت إعلاناً دستورياً بأن المرأة شريك كامل في بناء الدولة، وأن مشاركتها السياسية هي حق أصيل كفله المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم.

كما أكد الميثاق، الذي حظي بتأييد ما نسبته 98.4% من شعب البحرين، أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الجنس، وألزم مؤسسات الدولة بدعم حقوق المرأة وسن التشريعات الخاصة بحماية الأسرة وأفرادها.

ولذلك، يعتبر تأسيس المجلس الأعلى للمرأة في العام 2001 خطوة عملية أولى نحو تنفيذ الرؤية الملكية من مجرد نص مكتوب إلى واقع ملموس نعيشه اليوم. وبرز المجلس الأعلى للمرأة بوصفه أحد أهم ثمار العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم الذي اتسم بالإصلاح والانفتاح، إذ تحولت المرأة التي عملت منذ عقود طويلة في شتى المهن، إلى شريك راسخ في عملية صنع القرار والتنمية الوطنية.

كذلك، أسهم المجلس في بناء منظومة متكاملة لتقدم وتطور المرأة؛ من تحسين السياسات والتشريعات وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص والتوازن بين الجنسين، إلى دعم استقرار الأسرة بوصفها أساس المجتمع، فضلاً عن المشاركة الاقتصادية ووصول المرأة إلى مواقع متقدمة في القضاء والدبلوماسية والسلطة التشريعية والحضور الفاعل في القطاعين العام والخاص. وجاءت الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية (2025-2026)، تتويجاً لتجربة باتت اليوم أنموذجاً في نقل المرأة من مرحلة التمكين إلى الريادة على كافة الأصعدة.

وبمناسبة ذكرى تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، فإن قراءة مسيرته لا يمكن أن تنفصل عن الدور الاستثنائي الذي اضطلعت به صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، في قيادة مشروع وطني هدفه العمل على توفير احتياجات المرأة وفرصها وقدراتها في الإسهام بعملية التنمية في المجتمع. وخلال ربع قرن، اتسع حضور المرأة البحرينية من مشاركتها التاريخية في المجتمع والعمل والتعليم قبل أكثر من 100 سنة، إلى شراكة أوسع في الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية والدبلوماسية، بل إنها وصلت إلى مواقع كان الوصول إليها قبل عقود يبدو بعيداً.

قبل خمسة وعشرين عاماً، وضع ميثاق العمل الوطني حجر الأساس عندما قال بوضوح إن المشاركة حق للرجال والنساء معاً، واليوم، نستطيع أن نرى المسافة التي قطعتها البحرين بين النصوص المكتوبة والممارسة الفعلية بعد أن كان الميثاق ورقة تحول استثنائية في وقت حساس.

ويمكن القول إن ذلك الوعد بمستقبل أفضل لأبناء البحرين عموماً والمرأة على وجه الخصوص، لم يبق حبراً على ورق كما يحدث في عديد الدول، بل أصبح مشروع دولة متكامل نراه في حياتنا اليومية.