د. أسماء خالد

تتناول خطابات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه محطات تاريخية مفصلية في بناء الدولة البحرينية الحديثة وتعزيز هويتها الوطنية، مستندة لإرثٍ عريق وإلى قيم الانتماء والعدالة والشراكة، وفي هذا الصدد لا ترد المرأة البحرينية في الخطاب الملكي مستفيدة من مسيرة التنمية فقط بل كونها طرفاً أساسياً في صنعها، وفي هذا السياق نستحضر بعضاً من العبارات الملكية بما تنمه عن وعيٍ عميق بهذا الدور، ومنها كلمة جلالته بمناسبة يوم المرأة البحرينية في العام 2018م قائلاً: «لم تغب يوماً عن ساحة العمل والعطاء على مر التاريخ.. فهي من قرأت وتعلمت وشاركت، فصنعت مجد وطنها». ثم أثبت المعنى ذاته في رسالته في العام 2024م مورداً إنّ: «إسهامات المرأة البحرينية في البناء الوطني لم تكن أبداً وليدة اللحظة، بل هي قصة وطن».

وبين هذا وذاك نرى تشكّل رؤية تاريخية متكاملة بين الحضور القديم والتعليم الذي فتح مسارات الوعي وبين مشاركة أسهمت في نقل العطاء لفضاء الدولة الحديثة. وفي مقالنا هذا نستعرض عدداً من الشواهد التي التاريخية التي تعزّز هذه الرؤية الملكية منذ التاريخ المبكر مروراً بعهد صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه، حتى يومنا الحاضر.

كانت المرأة البحرينية منذ التاريخ القديم شريكاً أساسياً في بناء الأسرة والمساهمة في اقتصادها وهويتها، ففي مجتمع اتسم بحرفة البحر واللؤلؤ كانت المرأة، وفي ظل غياب الرجل الطويلة تدير شؤون المنزل، وتسهم في الحرف والتكافل بين الأسر؛ ممّا وفر جانباً من الاستقرار اليومي الذي احتاج إليه المجتمع. ولنا في الشواهد المادية على الحرف التقليدية خير مثال منها حرفة «النقدة» وهي تطريز الأقمشة بالفضة التي اشتهرت بها المرأة البحرينية، كما برزت مساهمتها في صناعة النسيج وغيرها من الحرف الأمر الذي يؤكد إنتاج المرأة ومهارتها وهو بُعد حضاري يفسّر وصف جلالة الملك المعظم لعطائها بأنه ممتد «على مر التاريخ».

وفي عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه (صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيب الله ثراه)، باني ومؤسس الدولة البحرينية الحديثة حققت البحرين الريادة في تعليم الإناث، فقد أسهم تنامي الوعي بأهمية دور المرأة في تأسيس أول مدرسة نظامية للبنات وهي مدرسة خديجة الكبرى عام 1928م التي عرفت بدايةً باسم مدرسة الهداية الخليفية للبنات، وقد لاقت إقبالاً كبيراً وقدمت مختلف العلوم لجميع الأعمار ثم توسع إنشاء المدارس، وانتقلت مسؤولية التعليم للدولة، فأصبح مجانياً وأكثر تنظيماً وحداثة، الأمر الذي مهّد لتحوّل اجتماعي وثقافي كانت المرأة عصبه. وهنا نلحظ ترتيب جلالة الملك المعظم في خطابه لمفردات «القراءة ثم التعليم ثم المشاركة»، حيث إنّ القراءة خلقت الوعي، بينما التعلم وسّع مجال الكفاءة ثم أتت المشاركة كنتيجة، وهذا يؤكّد الدقة التاريخية في خطابات جلالة الملك المعظم، ويؤكد ذلك أنّ المرأة لم تكتفِ بالتعليم، بل ابتعثت للخارج منذ عام 1937، ثم تطور المسار بإنشاء معهد المعلمات عام 1967م حيث أصبحت معلمة ومربية.

أدى تزود المرأة بالتعليم لانتقالها لميادين الحياة، فأسهمت بفاعلية في التدريس والصحة والإدارة والقانون والاقتصاد والثقافة، فكان لها دور محوري في صنع الأجيال وتشكيل الوعي العام، وتطورت هذه المبادرات بتأسيس جمعية نهضة فتاة البحرين عام 1955م كأول جمعية نسائية في البحرين والخليج العربي حيث نقلت العمل النسائي من الفردية إلى العمل المؤسسي مسهمةً في تعزيز قيم التطوع والمواطنة ومستمرة في تأهيل المرأة للمشاركة الأوسع في المجالس والمؤسسات المهنية.

ومع انطلاق المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظّم نالت المرأة مشاركة واسعة، فقد شهد عام 2000م حضور نساء في مجلس الشورى تلاه تأسيس مجلس الأعلى للمرأة في 22 أغسطس 2001م ليكون المرجعية الرسمية المعنية بمتابعة تقدم المرأة، والذي تحتفل البحرين باليوبيل الفضي لتأسيسه، وفي العام 2002م تمتعت المرأة بحق الانتخاب والترشح. ولم تكتفِ بهذا الحد، بل تتالت الخطوات باعتماد الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية عام 2005م تحت شعار «المرأة شريك جدير في بناء الدولة»، ثم توجت الجهود بإطلاق يوم المرأة البحرينية عام 2008م كمناسبة وطنيةً سنوية تستدعي الإنجاز، وتحتفل بها كل مؤسسات الدولة. وفي كلمته عام 2008م حيّا جلالة الملك المعظم النتائج الطيبة لمشاركة المرأة البحرينية في الانتخابات التشريعية والبلدية. ويعزز هذا الاستشهاد معنى أن المشاركة السياسية للمرأة امتداد لمسار المعرفة والتعليم والمشاركة الوطنية لنساء البحرين.

لا يفصل الخطاب الملكي بين تقدّم المرأة وتماسك المجتمع، ففي رسالته لعام 2024م أشاد جلالة الملك المعظم بدور نساء البحرين في الأمومة وتربية النشء، واصفاً تماسك الأسرة بأنه «خط الدفاع الأول لاستقرار المجتمع ونمائه» حيث يضع الأسرة والتعليم والعمل في منظومة واحدة إدراكاً منه أنه بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الدولة. فالمرأة في هذه الرؤية الملكية تؤدي دوراً مزدوجاً ومتكاملاً، فهي تحفظ الذاكرة الوطنية والقيم داخل الأسرة، وتشارك بكفاءتها في مؤسسات المجتمع والدولة.

تجمع عبارة جلالة الملك المعظم «قصة وطن» خلاصة المسار كله فالتاريخ هنا سلسلة متصلة من حرفةٌ تحفظ الهوية ثم مدرسةٌ تفتح الوعي إلى مهنةٌ تخدم المجتمع، بل ومشاركةٌ سياسيةٌ تسهم في القرار.

وحين تعاد قراءة هذه الحلقات معاً يتضح بجلاء أنّ تقدم المرأة البحرينية هو تطور من داخله وبالاستناد إلى قيمه وأصالته. وتكشف هذه القراءة أيضاً عن دقة الاستدعاء التاريخي في الخطابات الملكية. فجلالة الملك المعظم لا يكتفي بالإشادة بالمنجز الراهن، وإنما يعيده لجذوره التاريخية الحضارية، ويمنح أصحاب العطاء مكانهم في الذاكرة الوطنية، ثم يحوّل الاعتزاز بالماضي إلى التزام واستلهام لمستقبل أكثر إشراقاً. لذلك نجد التكريم الملكي مرتبطاً دائماً بمسؤولية مواصلة التعليم والعمل والتجديد من كفة وبحفظ الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي من أخرى.