قبل ما يقارب العام وتحديداً في 12 من سبتمبر 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 142 دولة مقابل معارضة 10 دول وامتناع 12 دولة عن التصويت، قراراً يؤيد إعلان نيويورك (المقدم من المملكة العربية السعودية وفرنسا) بشأن تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين. والمقترح لم يكن صيغة مُحدثه لمبادرة السلام العربية، بل استنهاض إرادة سياسية دولية، ووضع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مسار واقعي.
واكتسب القرار أهمية خاصة باعتباره تعبيراً عن استمرار التمسك الدولي بالإطار القانوني والسياسي الذي ينظر إلى قيام دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، باعتباره الصيغة الأكثر قابلية لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة. كما يعكس حجم التأييد الواسع للإعلان رفضاً دولياً متزايداً لوقائع أحادية المنظور الإسرائيلي والمهدد بتقويض أي إمكانية لتسوية سياسية.
وقد قام إعلان نيويورك على جملة من المبادئ المستمدة من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. ويرتبط ذلك بتأكيد ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة، ضمن حدود متفق عليها، مع معالجة القضايا النهائية، ومنها القدس واللاجئون والأمن والحدود والمستوطنات، عبر التفاوض وعلى أساس المرجعيات الدولية المعتمدة.
واليوم نحن على عتبة مرور عام على اعتماد القرار، وملاحظة الفجوة الواضحة بين التأييد السياسي والقانوني الذي حظي به الإعلان وبين مستوى التقدم العملي في تنفيذه. فما تزال الأوضاع الميدانية في الأراضي الفلسطينية تشهد تحديات جوهرية، تشمل إعلان إسرائيل الأخير بناء 1200 وحدة سكنية في الضفة الغربية في منطقة تُعرف بـ E1. وكذلك استمرار العمليات العسكرية، وتدهور الوضع الإنساني نتيجة نشاط المستوطنين، وتقييد حركة السكان والموارد. وتمثل هذه العوامل، مجتمعة، عوائق بنيوية أمام إنشاء دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أو قادرة على ممارسة وظائفها السياسية والاقتصادية والإدارية بصورة مستقلة.
ومن منظور واقعي، فإن القيمة الأساسية لبيان نيويورك لا تكمن فقط في عدد الدول المؤيدة له، بل في إعادة التأكيد على مركزية الشرعية الدولية في إدارة الصراعات. فالقرار يعزز المكانة القانونية للمطالب الفلسطينية، ويحدّ من محاولات تحويل القضية إلى مسألة إنسانية أو أمنية منفصلة عن جذورها السياسية والتاريخية. كما يبرز مسؤولية المجتمع الدولي في حماية شروط الحل السياسي، لا سيما في ظل المتغيرات الميدانية.
غير أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة، رغم قيمتها المعنوية، إلا أنها لا تملك في الغالب آليات تنفيذ إلزامية مماثلة لتلك التي قد تصدر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولذلك، فإن فاعلية إعلان نيويورك تظل مرتبطة بمدى استعداد الدول الداعمة لترجمة مواقفها إلى إجراءات عملية، تشمل الضغط من أجل وقف التصعيد، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض الاستيطان، ودعم المؤسسات الفلسطينية، وتوفير إطار تفاوضي دولي ذي جدول زمني وآليات متابعة واضحة.
والخلاصة، إن مرور عام على بيان نيويورك يثبت استمرار الإجماع الدولي الواسع على المبادئ العامة للتسوية، لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية الإرادة التنفيذية. وعليه، فإن الحفاظ على حل الدولتين يتطلب الانتقال من التأييد الخطابي إلى سياسات ملموسة تضمن احترام القانون الدولي، وتحمي الحقوق الفلسطينية، وتؤسس لمسار سياسي قادر على إنهاء الصراع بصورة عادلة ومستدامة.