زيد أيمن

بين ميادين الرماية والتمارين العسكرية المتعددة، وضجيج التحديات التي تعج بها قاعات معسكر «قدها جونيور» في مركز البحرين العالمي للمعارض، والذي أتى بتوجيهات من سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني، قائد الحرس الملكي، وبمتابعة حثيثة من سمو العميد الركن الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، قائد العمليات الخاصة بالحرس الملكي، توقفت عند محطة مختلفة تماماً في طبيعتها، ولا تقل أثراً وعمقاً عن كل ما حولها؛ المتحف العسكري المصاحب للمعسكر. زرته للتو، وخرجت منه بشعور لا يشبه شعوري في الجولات الإعلامية والتغطيات التي اعتدت عليها، فما بين جدرانه لم أكن أتجول بين معروضات عادية، بل كنت أتجول داخل ذاكرة وطننا الشامخ، بالعز والفخر والأنفة.

أول ما استوقفني، وترك أثراً عميقاً في نفسي، كان ذلك الركن الذي يوثّق حطام المسيرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت مملكة البحرين خلال فترة الاعتداءات الغاشمة والآثمة. الوقوف أمام هذا الحطام تحديداً ليس كأي مشهد آخر؛ فهي ليست مجرد قطع معدنية باردة معروضة أمام الجمهور، بل هي شاهد على لحظة حقيقية حاول فيها العدو الإيراني أن يمس أمن هذا الوطن واستقراره. وحين تقف أمام هذه الأسلحة التي حولتها دفاعاتنا الجوية الباسلة إلى خردة، تدرك أن ما تحقق من صمود وطني كان نتاج يقظة واستعداد وقرار حاسم من قيادة تدرك حجم التحديات وتتصدى لها بكل ثبات، ونتاج جهود منظومة متكاملة من قواتنا المسلحة الأبية.

ومن هذا الركن، ينتقل بك المتحف إلى توثيق ملحمة الصمود الوطني وأبرز محطاتها، في سرد بصري متكامل يعيد ترتيب تلك اللحظات الفاصلة أمام الزائر، ليدرك أن ما عاشته البحرين لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل اختباراً حقيقياً لمنعة الدولة ومؤسساتها وشعبها، خرجت منه بلادنا الغالية، أكثر تماسكاً وقوة.

ولعل من أجمل ما يميز هذا المتحف، أنه لا يكتفي فقط بتوثيق ما واجهناه وما استطعنا تحقيقه، بل يوازي ذلك سرد إنجاز مؤسسي طويل الأمد، من خلال استعراضه للمسيرة العسكرية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، ولأبرز المناصب العسكرية التي تولاها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، فهذه المحطات ليست سرداً تاريخياً عابراً، بل هي المفتاح الذي يفسر للزائر كيف تشكلت قوة دفاع البحرين على أسس من الرؤية والانضباط والاحترافية، ولماذا تحظى اليوم بهذا المستوى من الجاهزية والمكانة الرفيعة.

كذلك، خصص المتحف مساحة وافية لمراحل تأسيس وتطوير قوة دفاع البحرين، بأسلوب يتيح للزائر، خاصة من فئة الأطفال والناشئة المستهدفين أساساً بمعسكر «قدها جونيور»، أن يفهم أن هذه المؤسسة العسكرية لم تبنَ بين ليلة وضحاها، بل هي ثمرة عقود من العمل الدؤوب والتطوير المستمر، وقد أضاف استعراض أبرز المشاركات المضيئة والمشرفة لقوة دفاع البحرين إقليمياً ودولياً بعداً آخر مهماً، إذ يؤكد أن هذه المؤسسة الوطنية حاضرة وبقوة في المحافل العسكرية والتدريبية على المستويين الإقليمي والدولي، بما يعكس احترافيتها وجاهزيتها العالية.

ولم يفتني وأنا أتجول في أروقة المتحف أن أتوقف أيضاً عند قسم الأزياء العسكرية، الذي يعرض الزي الرسمي المستخدم لمختلف أسلحة ووحدات قوة دفاع البحرين، فهذا التنوع في الزي العسكري، بألوانه وتفاصيله الدقيقة، هو في حد ذاته قصة أخرى تُروى عن تعدد التخصصات والمهام لدى قواتنا المسلحة، وعن الدقة البالغة التي تحكم كل جانب فيها.

خرجت من المتحف العسكري بقناعة راسخة بأن إدراج هذه التجربة ضمن معسكر موجه أساساً للأطفال والناشئة هو قرار في غاية الحكمة، فالطفل أو الشاب الذي يخرج من ميدان الرماية أو التسلق بحماس منقطع النظير، يخرج من هذا المتحف بشيء لا يقل أهمية في أثره، يخرج بوعي كامل بأن خلف كل استقرار ينعم به، هنالك تضحيات ويقظة دائمة، ويتيقن بأن الانتماء للوطن لا يكتمل إلا بفهم تاريخه وتقدير من قاموا على حمايته، وما زالوا قائمين على ذلك في كل حين، مضحين في سبيل هذه الحماية بالغالي والنفيس.

ولا يفوتني هنا أن أتقدم بالشكر الجزيل للقائمين على هذا المعسكر التدريبي المميز، وعلى رأسهم السيد أحمد الشيخ رئيس اللجنة المنظمة، على ما يقومون به من جهد دؤوب في توفير تجربة متكاملة الأركان، تقوم على الانضباط والعمل الجماعي، وتسهم في تنمية المهارات الشخصية لدى المشاركين، ولا شك بأننا في حاجة وبشدة لهذه المبادرات المميزة على الدوام، وسنبقى داعمين لها دائماً في كل محفل.