فيصل الشيخ

الخطأ ونحن نقرأ المشهد الحالي في منطقتنا الخليجية، هو أن نتعامل مع توقف الاعتداءات الإيرانية الآثمة عبر الصواريخ والمسيرات باعتباره بداية نهاية الأزمة؛ وذلك لأن الحقيقة مختلفة تماماً.

الوضع مازال يراوح في مكانه، وعليه ما يحدث، هو انتقال للمواجهة من ميدان إلى آخر. فإيران التي أوقفت، حتى الآن، اعتداءاتها المباشرة نسبياً على دول الخليج العربي، لم تتخل عن أهم ورقة ضغط صنعتها والمتمثلة بمضيق هرمز.

اقتصاديا إغلاق المضيق أكثر إيقاعاً للضرر من الاعتداءات المباشرة التي يمكن التصدي لها، وهنا النظام الإيراني لربما استوعب ذلك جيداً؛ إذ استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ والمسيرات كانت مغامرة خاسرة سياسيا؛ لأنها دفعت دولنا، والتي كانت حريصة على عدم الانجرار للحرب، إلى الاصطفاف بصورة دفاعية أكبر ضد طهران، مع امتلاكنا حق الدفاع عن بلداننا وحماية شعوبنا إزاء هذه الاعتداءات.

لكن مضيق هرمز، تراه الإدارة الإيرانية ومعها الحرس الثوري، نقطة تمكنها أن تضغط على الجميع من دون الحاجة إلى إطلاق صاروخ واحد تجاه أراضينا، بل تهديدات بين الفينة والأخرى ضد الناقلات. لذلك الهدوء النسبي الحالي سببه التغيير في استخدام الأدوات.

الخطورة بشأن المضيق تتمثل بأن إيران تحاول اليوم فرض واقع جديد، أكثر من كونها عملية فرض سيطرة لغرض التفاوض أو الابتزاز. إيران تحاول أن تكون لها اليد العليا في تنظيم حركة السفن وتحديد شروط المرور. وقرارها بوضع عشرات الناقلات على قائمة سوداء والتهديد بالغرامات والاحتجاز والمصادرة يكشف هذا السعي.

يعني هذا، بأن إيران تريد تحويل قضية مضيق هرمز إلى مكسب سياسي دائم، ولا تريد التعامل معها كورقة حرب أو تفاوض مؤقتة.

على الجانب الآخر واشنطن قد تتفاوض مع إيران على العقوبات، والأموال المجمدة، والترتيبات الأمنية، وحتى على ملفات أخرى، لكنها لن تقبل بسهولة بأن تنتهي هذه المواجهة باعتراف عملي بحق إيران في التحكم بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

في المقابل، هناك تحول آخر مهم، فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بدآ يتحدثان بصورة صريحة عن ضرورة إنهاء الحرب والتركيز على الاقتصاد الإيراني المتدهور. هذا يعني أن مرحلة ”كيف نصمد" بالنسبة لهم تحولت الآن إلى مرحلة شعارها ”إلى متى سنصمد"، وهذا يغير في كثير من المعطيات.

الجميع وبالأخص المتأثرون اقتصادياً ينتظرون إنهاء ملف هرمز تحديداً، لكن المرحلة الحالية ضبابية في شكلها، وغير مضمونة التوقع في نتائجها. لذلك يمكن تسميتها مرحلة ”عض الأصابع"، بالنظر لموقف الأطراف المتداخلة بشكل مباشر في الصراع.

واشنطن تراهن على أن العقوبات والضغط الاقتصادي سيجعلان الوقت يعمل ضد طهران، وإيران تراهن على أن استمرار أزمة هرمز وكلفتها على الاقتصاد العالمي سيجعل الوقت يعمل ضد واشنطن.

من هنا فإن الأيام المقبلة، في رأيي، لن تشهد بالضرورة عودة سريعة للحرب الشاملة، ولا أتوقع أيضاً اتفاقاً كبيراً ومفاجئاً. لكن الأرجح أننا سنرى تكثيفاً للوساطات، واتصالات غير مباشرة، وربما تفاهمات مرحلية تتعلق بحركة الملاحة في هرمز، بالتوازي مع استمرار الضغط الاقتصادي الأمريكي.

التحركات الدبلوماسية مستمرة بالفعل، بينما تصر إيران على ربط إعادة فتح المضيق بشروط سياسية واقتصادية تجاه واشنطن. لكن المشكلة لو حصلت السيناريوهات التالية، أي مثلاً ناقلة تحتجز، سفينة تتعرض للاستهداف، أو اشتباك بحري نتيجة خطأ في الحسابات، كل هذا يمكن أن يعيد الصواريخ إلى المشهد خلال ساعات.

لذلك نحن لسنا أمام سلام. نحن أمام هدنة بلا اتفاق، وتفاوض بلا طاولة، وحرب تغيرت فيها الأسلحة. والأنظار على من يستطيع تحمل الضغط مدة أطول، لأن أول طرف سيشعر بأن الوقت أصبح عدوه، هو الطرف الذي سيذهب إلى طاولة المفاوضات مضطراً لتقديم التنازل الأكبر.

بغض النظر عن كل هذا، الوقت عامل خطير جدا هنا، إذ كلما طالت مدة التأزم أو مرحلة ”عض الأصابع" وانتظار من يتحرك بجدية أولا لإيجاد الحلول، كلما تضرر المحيط الإقليمي كله، بدوله وشعوبه واقتصاده.

وهذه النقطة بحد ذاتها، تحتاج وقفة أخرى لتفصيلها.