لا أدري كيف يُقاس التحضر والرقي إن لم يكن بمثل هذه الظواهر؟
يُقال إنه في زمن الحروب والصراعات تعم الفوضى في البلاد، ويزيد معدل الجرائم، إنما في البحرين -ولله الحمد- تراجع إجمالي قضايا السرقات المسجلة أمام النيابة العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 43.4% ليصل إلى 442 قضية مقارنة بـ 781 قضية في الفترة نفسها من عام 2025.
وشمل هذا التراجع مختلف صور السرقة، وخاصة الخطيرة منها خلال النصف الأول من عام 2026:السرقة بالإكراه: تراجعت بنسبة 66.4% (من 107 قضايا إلى 36 قضية).
السرقة بالكسر أو التسور أو وسائل غير عادية: انخفضت بنسبة 48.5% (من 334 قضية إلى 172 قضية).صور السرقات الأخرى: انخفضت بنسبة 36.2% (من 287 قضية إلى 183 قضية).
وللمقارنة مع دولة كبريطانيا -مع الأخذ في الاعتبار النسبة والتناسب في الحجم والتعداد- نجد أن هناك سرقة بالإكراه كل ست دقائق، وفي لندن مثلاً هناك 800 سرقة هاتف لكل 100 ألف نسمة.
نعم، هناك نشاط وجهد مبذول من وزارة الداخلية للوصول إلى هذه النتائج، وهذا أمر لا يُنكر، إنما انطباعي الخاص هو أن هناك سبباً آخر لانخفاض الإحصائيات، وهو مجموعة «القيم» التي تشكل حصناً في وجه الانحراف الأخلاقي وقت الأزمات، كما تشكل منظومةً من الحماية والضمان الاجتماعي انعكست على الانخفاض في حجم البلاغات ونسب العَوْد للجريمة في البحرين.
هذه القيم تبدّت في ظاهرة أخرى غير ظاهرة السرقات، إذ تمثلت في انعدام وجود مشردين في شوارعنا، فلا يمكن أن ترى من يبات في الشارع داخل خيمة، وإلا لأصبح خبراً غريباً تتناقله وسائل التواصل -لو وُجد- دونما حاجة إلى التعتيم عليه في الصحافة أو الإعلام الرسمي.
ونعود للمقارنة مرة أخرى؛ حيث تزايدت أزمة المشردين في بريطانيا بشكل ملحوظ لتصل إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغت نحو 4,793 شخص ينامون في الشوارع في إنجلترا وحدها، بينما تشير تقديرات المنظمات الخيرية إلى مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعانون من التشرد بمختلف أشكاله. هذه هي أحدث إحصائية كشف عنها رئيس حكومة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، مشيراً إلى خططه لتوفير سبل خروج من ينامون في العراء من الشوارع بحلول عيد الميلاد، وذلك في إطار مساعيه للحد من التشرّد على المستوى الوطني.وقد عدّد الخبر مجموعة أسباب لتفاقم هذه الأزمة، منها: الارتفاع القياسي في أسعار الإيجارات وتكلفة المعيشة، والنقص الحاد في وحدات السكن الاجتماعي المتاح، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية وزيادة تفكك الأسرة المعيشية.
يبلغ عدد الأجانب في البحرين 850 ألف نسمة، لا تجد واحداً منهم يبيت في الشارع، أو يشتكي من جوع أو يتسول. إن السبب الرئيسي الذي منع ظهور هذه الظاهرة يعود بالدرجة الأولى إلى «منظومة القيم»، سواء الدينية منها أو العرفية. فما حثنا عليه ديننا الحنيف وما ورثناه من عادات وتقاليد -حيث لا يبيت بيننا جائع مهما كانت إمكانياتنا فإننا نتقاسمها- عزز نظاماً تكافلياً اجتماعياً لا يُترك فيه الإنسان وحده دون سند، أيّاً كان جنس هذا الإنسان أو دينه أو وضعه في الدولة، ودون تفريق بين مواطن ومقيم.
إن أعرافنا العربية وقيمنا الإسلامية صنعت منظومة تكافل اجتماعي فريدة من نوعها، وقد تبدّت هذه القيم في جميع المحن والكوارث التي حلت بالمنطقة، سواء كانت حروباً أو أوبئة كجائحة كورونا؛ حيث كان الإنسان هو الأساس في حقه في الحماية والرعاية دون تفرقة؛ بسبب جنسه أو دينه أو عرقه، كما شكلت رافعة للحالة الأمنية في البلاد ولله الحمد.
لستُ مع الانغلاق، بل مع الانفتاح على العالم، إنما ننطلق إليه وكلنا ثقة بما لدينا. علموا أبناءكم كيف يثقون بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ودينهم السمح، وكيف ترفع تلك الثقة من شأنهم وتُعليه، ولا تتركوهم ينبهرون بكل ما هو غربي أو أجنبي دون فحص وتمحيص.
علموهم أننا قادرون على أن نُعلّم الآخرين، وننفعهم وليس العكس، وأن لدينا الكثير مما هو غالٍ ونفيس؛ فإحصائيات مثل التي استعرضناها تجعلنا مدرسة في التحضر والرقي.