بقلم: منى العلوي
لو قيل لك: هناك هدية تصلح لشاب يبحث عن حل، ولفقير يحتاج إلى من يشعر به، وللمرأة والكبير والطفل، هدية لا يغيّر الزمن قيمتها، ولا يحدّها وطن أو اختلاف..
ستتساءل: ما هذه الهدية؟
إنها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال عن نفسه: «إنما أنا رحمةٌ مهداة»، وكما وصفه الله سبحانه: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين». وحين نتأمل رحمته في مواقفه، نلمس صوراً لها في تعامله مع الناس، في عدله وحزمه، وفي نظرته إلى الإنسان.
فالرحمة عنده تمنح العدل إنسانيته، فحين جاءت الغامدية تعترف بالزنا وتطلب إقامة الحد عليها، لم يسعَ إلى معاقبتها، ولم يستبق طلبها بالعقوبة، بل راعى إنسانيتها ومسؤوليتها تجاه طفلها، فأمهلها حتى تضعه، فعادت بعد ولادتها ثانية وأصرت على طلبها، لكنه أمهلها حتى تفطمه، فلما رجعت بعد ذلك، أقام عليها الحد، وصلى عليها، وذكر توبتها.
والرحمة عنده تمنح الحزم حكمته، حين يحفظ للضعيف حقه، ويطبّق الحكم على الجميع سواسية، فلا يحابي غنياً أو قريباً في الحق: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
من صور رحمته، قربه ممن كانوا على هامش الحياة، فيعيد إليهم مكانتهم وكرامتهم، ويتحسس حاجاتهم. بلال، العبد المستضعف، جعله مؤذن المسلمين، فارتبط اسمه بأعظم نداء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع الفقراء، ويستمع إليهم، ويشاركهم همومهم.
ولم تغب رحمته في التفاصيل، فكان يستشعر أثر الأسماء في نفوس أصحابها، فلا يرضى أن يتألم المرء من اسمٍ يلازمه لكنه ينفر منه، فغيّر اسم عاصية إلى جميلة، وغيّر اسم أصرم إلى زرعة..
ورحمته تتجاوز الاختلاف، فيرى الإنسان أولًا، فحين مرّت أمامه جنازة يهودي، قام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفساً؟».
يرى رسولنا الكريم أن أمام الموت، تتراجع الخصومات، وتبقى إنسانية الإنسان وحاجته إلى الرحمة والاحترام.
فإذا أردنا أن نقترب من النبي صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده الشريف، فلنقترب من فهم مواقفه، وسنرى رحمته حيّةً فيها، ولعلّ هذه الرحمة تكون باباً لزيادة محبتنا له، وتأسّياً به.