حذّر الملياردير والمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس، من أن الذكاء الاصطناعي قد يتسبب في أضرار تفوق فوائده إذا لم تتحرك الحكومات سريعاً للحد من مخاطره، في تحول لافت عن تفاؤله السابق بشأن مستقبل التكنولوجيا.
وفي مقال جديد نشره الأربعاء، قال غيتس إنه أصبح يشعر بالقلق من التطور المتسارع لقدرات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في تنفيذ مهام العمل والبرمجة وشن هجمات إلكترونية، إلى جانب بطء التقدم في وضع قواعد لتنظيم هذه التكنولوجيا.
وقال غيتس في مقابلة مع «واشنطن بوست» إنه بات من العادل القول إنه «خائف» مما قد يحدث إذا لم يتم التدخل بشكل عاجل، مضيفاً أنه للمرة الأولى في حياته يتمنى أن تتطور تكنولوجيا جديدة بوتيرة أبطأ.
وقال: «أنا متفاجئ من شعوري بهذه الطريقة. لم أرَ في حياتي مشكلة لا تستطيع الابتكارات حلها».
مخاطر تتجاوز فقدان الوظائف
يركز غيتس مخاوفه على ثلاثة مجالات رئيسية، أولها التهديدات الأمنية، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في القرصنة والهجمات الإلكترونية وتطوير الأسلحة البيولوجية والاحتيال.
أما الخطر الثاني فيتعلق بسوق العمل، مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات القادرة على تنفيذ عدد متزايد من المهام التي يؤديها البشر.
ويحذر غيتس كذلك من تأثير التكنولوجيا على الأطفال، بما في ذلك احتمال إضعاف قدرتهم على التعلم أو التأثير في علاقاتهم الإنسانية.
وبحسب «واشنطن بوست»، فإن ما يميز موقف غيتس عن تحذيرات أخرى متزايدة بشأن الذكاء الاصطناعي هو أنه كان يعتقد سابقاً أن سلبيات التكنولوجيا يمكن السيطرة عليها، لكن هذا الاعتقاد تراجع خلال الأشهر الأخيرة.
الذكاء الاصطناعي تجاوز توقعاته
وقال غيتس إن التطورات الأخيرة في قدرات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في كتابة البرمجيات وتنفيذ هجمات إلكترونية جديدة، فاجأته بدرجة كبيرة.
ووصف بعض القدرات التي شهدها بأنها «مذهلة»، معتبراً أن صناعة الذكاء الاصطناعي لا تستطيع تنظيم نفسها بنفسها، وأن الحكومة الأمريكية يجب أن تؤدي دوراً رئيسياً في الحد من المخاطر التي قد تهدد الأمن القومي والوظائف وسلامة الأطفال.
وقال غيتس: «وجهة نظري الأساسية هي أنه لم يتدخل أحد»، داعياً إلى تحرك سياسي يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
دعوة إلى تدخل حكومي أكبر
ويقترح غيتس وضع أطر وطنية ودولية واسعة للتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، تشمل الأمن والسلامة وسوق العمل وغيرها من المجالات.
كما يدعو إلى تعاون بين المسؤولين المنتخبين والخبراء والمواطنين للإشراف على تطوير التكنولوجيا واستخداماتها، في طرح يتقاطع مع دعوات أخرى داخل قطاع الذكاء الاصطناعي لوضع معايير دولية للسلامة.
ويرى غيتس أن هذه الدعوات قد تواجه مقاومة من مؤيدي الذكاء الاصطناعي في إدارة الرئيس دونالد ترامب وفي وادي السيليكون، الذين يعتبرون أن التنظيم المحدود يسمح بتسريع فوائد التكنولوجيا ويحافظ على التفوق الأمريكي في هذا المجال.
ضرائب ووظائف محجوزة للبشر
ويقترح غيتس أيضاً إجراءات للتخفيف من آثار فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، من بينها فرض ضرائب جديدة على استخدام الذكاء الاصطناعي، وهي فكرة تحظى بتأييد بعض التيارات السياسية التقدمية.
كما طرح فكرة أطلق عليها اسم «Human Reserved»، تقوم على تخصيص بعض الوظائف للبشر وعدم استبدالهم بالذكاء الاصطناعي في مهن أو قطاعات معينة.
وقال غيتس إنه ناقش مخاوفه ومقترحاته مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي، لكنه أقر بأن أفكاره التنظيمية لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بالحصول على دعم واضح منهم.
لا يزال يرى فوائد هائلة
ورغم تحذيراته، أكد غيتس أنه لا يزال يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات هائلة لتحسين الرعاية الصحية والخدمات الحكومية والتعليم.
وقال إن التكنولوجيا بدأت بالفعل تساعد المزارعين وغيرهم في الدول الفقيرة التي تعمل فيها مؤسسته الخيرية.
لكن غيتس يقول إن تركيزه تغير؛ فبعد أن انشغل لسنوات بالإمكانات التي قد يحققها الذكاء الاصطناعي خلال العقود المقبلة، أصبح يرى ضرورة التعامل أولاً مع الأضرار المحتملة في المدى القريب.
وختم بالقول إن «الأشياء الجيدة موجودة بالفعل، ولا مبالغة في ذلك»، مضيفاً أن التحدي الحقيقي هو معرفة ما إذا كان بالإمكان تحقيق «قدر كبير من الخير» مقابل «قدر صغير من الضرر».