تقوم الحضارات على صناعة التغير، فالحضارات لا تبنى بالأقوال وحدها، وإنما بالإنجازات والمواقف التي تترك أثراً في المجتمع، وترتقي بالإنسان، وتفتح أمامه آفاقاً أوسع للحياة والمشاركة وصناعة المستقبل، ولعل أعظم ما يمكن أن تصنعه الأمم هو الإنسان؛ فالاستثمار في الإنسان، وبناء قدراته، وصون كرامته، وتهيئة المناخ الملائم له ليعيش حياة كريمة وآمنة ومستقرة، هي الأسس التي تقوم عليها الحضارات وتستمر بها، فلا مجد بلا سواعد تعمل وتبني وتعلي، ولا نهضة بلا نفوس شامخة تؤمن بقدرتها على تجاوز التحديات، وتطمح إلى بلوغ المعالي، ومن هنا، فإن صناعة التغيير الحقيقي تبدأ حين تتحول الرؤية إلى عمل، والطموح إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر مستدام ينعكس على حياة الناس والمجتمع بأسره.
فهناك إنجازات في مسيرة الأوطان لا تقاس بالسنوات وحدها، وإنما بما تتركه من أثر في الذاكرة الوطنية، ولعل مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة هو أحد هذه الإنجازات، خمس وعشرون سنة من العمل الذي لم يكن هدفه أن يضيف مؤسسة جديدة إلى مؤسسات الدولة، بقدر ما كان يسعى إلى تغيير صورة المرأة البحرينية وموقعها في مسيرة التنمية، وفي قلب هذه التجربة تقف صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، بوصفها قائدة جمعت بين الرؤية والحكمة، وبين عمق الحضور وقوة التأثير.
وفي مسيرة سموها، تبرز «صناعة المجد» بمعناها الأوسع؛ فالمجد هنا ليس إنجازاً شخصياً، وإنما تراكم إنجازات وطنية شاركت المرأة البحرينية في صنعها، فقد أصبحت المرأة أكثر حضوراً في الحياة العامة، وأكثر مشاركة في الاقتصاد، والعمل التشريعي، والقضاء، والدبلوماسية، والإدارة، وريادة الأعمال، وفي المشهد العالمي أيضاً، ولم يكن ذلك ليحدث بالصدفة، وإنما نتيجة رؤية آمنت بأن تمكين المرأة لا يعني منحها موقعاً رمزياً، بل تهيئة الظروف التي تجعلها شريكاً كاملاً في صناعة المستقبل.
ها قد مضى ربع قرن من الزمان على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، ومسيرة البناء والعطاء تعلو يوماً بعد يوم لتصبح صرحاً شامخاً في سماء المجد، إلا أن التجربة لم تصل إلى نهايتها، فصناعة المجد ليست محطة، والقيادة المؤثرة لا تتوقف عند إنجاز ما تحقق، بل تبدأ من السؤال عن الخطوة التالية، وربما تكمن قيمة تجربة سموها في أنها جعلت من قضية المرأة مشروعاً وطنياً مستمراً؛ مشروعاً يتجدد كلما تغير الزمن، ويتسع كلما اتسعت طموحات البحرين، وهنا تحديداً تتجلى القيادة: أن تترك أثراً يتجاوز حضورك، وأن تجعل من السنوات الخمس والعشرين بداية لما هو أكبر.
وتكشف السنوات الخمس والعشرون كذلك عن جانب آخر من شخصية سموها القيادية، يتمثل في القدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها، فالمرأة البحرينية اليوم لا تواجه فقط تحديات الأمس، بل تقف أمام اقتصاد رقمي، وتغيرات اجتماعية. وتحولات في سوق العمل، وتحديات مرتبطة بالاستدامة والأمن الغذائي وجودة الحياة. ولذلك اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل مجالات جديدة، ومن بينها الزراعة والمبادرات المرتبطة بالأمن الغذائي والتنمية المستدامة، بما يعكس إيماناً بأن تمكين المرأة لا ينفصل عن تمكين المجتمع كله.
وفي هذا السياق، فإن حضور سموها في المجال الزراعي والتنمية المرتبطة به يحمل دلالة تتجاوز القطاع ذاته؛ فالزراعة ليست مجرد إنتاج للأرض، وإنما ثقافة استدامة، وعلاقة بالبيئة، ومسؤولية تجاه الأجيال القادمة، ومن هنا تبدو الرؤية أكثر اتساعاً: امرأة منتجة، ومجتمع مستدام، واقتصاد قادر على مواجهة المستقبل.
وبعد ربع قرن، ربما لا يكون السؤال الأهم والأكثر عمقاً: ماذا أنجز المجلس الأعلى للمرأة؟ فإنجازاته شهادة للعيان، بل ماذا تغير في البحرين لأن المجلس كان موجوداً ليصنع التاريخ، ولأن على رأسه قيادة امتلكت رؤية واضحة وصبراً استراتيجياً وحكمة في إدارة التحول؟
إن الإجابة يمكن أن تُقرأ في قصص آلاف النساء البحرينيات اللواتي وجدن طريقهن إلى مواقع لم تكن متاحة بالسهولة ذاتها من قبل، وفي أسر تغيرت نظرتها إلى دور المرأة، وفي مؤسسات أصبحت أكثر وعياً بأهمية مشاركتها، وسعياً لتكافؤ الفرص بين الجنسين وبين جميع فئات المجتمع.. ودمتم أبناء قومي سالمين.