نعيش اليوم عصر السماوات المفتوحة، وذلك عبر الأقمار الصناعية التي تبث إعلامها ليل نهار، كما نعيش عصر الإعلام الرقمي عبر شبكة الإنترنت ذلك المحيط المعلوماتي الهائج وعصر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا كله من شأنه أن يعظم من الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في مجتمعاتنا المعاصرة.

والإعلام بشكل عام إما أن يكون إعلاماً موجهاً أو أن يكون إعلاماً غير موجه، والإعلام الموجه هو الذي يهدف من وراء ما يقدمه إلى توصيل رسالة معينة إلى جهة ما، هذه الرسالة إما أن تكون بناءة أو أن تكون هدامة، وإما أن تهدف إلى تنوير المتلقي أو تجهيله، وإما أن تصنع وعيه، أو تزيفه وإما أن ترشده أو تضلله.

وفي كل الأحوال، فإن الإعلام الموجه هو ذلك الإعلام الذي يستهدف من ورائه تحقيق هدف معين ليخدم فكرة معينة أو اتجاهاً معيناً، سواء أكان ما يقدمه يعتمد على الحقائق أم على الأباطيل، هذا هو الإعلام الموجه.

والإعلام في كل دول العالم، سواء المتقدم منه أم النامي، لا يمكن إلا أن نراه خادماً لفكرة أو دولة أو حزب أو دعوة، وهذا النوع من الإعلام موجود في كل بلاد العالم، وأتصور أنه الأكثر شيوعاً، والأوسع انتشاراً والأكبر تأثيراً بحكم الجماهير التي تتابعه، والتي هي في الأساس مستهدفة من قبله.

أما النوع الثاني من الإعلام فهو الإعلام غير الموجه وهو ذلك الإعلام الذي يقدم رسالته ومادته من أجل خدمة الجمهور وإرشاده وتثقيفه فهدفه في الأساس بنائي، ولا يرمي من وراء مادته الإعلامية إلى تحقيق قيمة الاتصال والقيام بوظائفه المتعددة على خير وجه.

فهذا النوع من الإعلام يسعى باحثاً عن الحقيقة، ويكون حريصاً على نشرها فالحقائق المجردة والوقائع الصحيحة هي رأس ماله، فلا يهمه إلا خدمة الجماهير وإفادتهم، فالالتزام بالمعايير المهنية للإعلام هي التي تحركه وهي التي توجهه، لأنه إعلام غير مؤدلج أو غير موجه وغير مسيس، وهذا النوع أيضا من الإعلام هو الذي يصنع الوعي، ويثقف الفكر ويرقق الوجدان، ويمتع الروح ويمنع الرذيلة، ويحارب الجريمة ويذيع الأمان، وينشر السلام في جنبات المجتمعات.

وهذا النوع من الإعلام كذلك يمكن أن نطلق عليه مسمى آخر، وهو الإعلام الوطني أو الرسالي، بمعنى أنه إعلام له رسالة إيجابية إنسانية يهدف من ورائها النفع العام لأبناء الوطن، بل للإنسانية جمعاء، فهو يؤدي وظائفه التي أسس من أجلها، لا يبتغي من وراء ذلك إلا تحقيق الخير والنفع العام، فهو بذلك إعلام يبني ولا يهدم ويشيد ولا يخرب ويصلح ولا يفسد ويصدق ولا يكذب ويعلم ولا يجهل ويهدى ولا يضلل يكشف الحقائق ولا يزورها، إنه إعلام الحقيقة إعلام يرسي مبادئ الديمقراطية والشورى والحرية والعدل والمساواة.

وما العمل الإعلامي في الواقع إلا مهنة البحث عن الحقائق، وإن الحق مر، كما هو معروف، وللوصول إلى الحق، لا بد من مواجهة بعض المتاعب والمعوقات والتحديات، ولكن كل ذلك يهون من أجل إحداث التطوير والتحديث والتغيير والإصلاح والارتقاء والبناء الذي هو غاية كل المجتمعات، والذي يلعب الإعلام الرسالي والوطني الدور الأهم فيه.

* باحث وأكاديمي