في بعض البيوت يعرف الأبناء سريعاً مَن يملك القرار الحقيقي. يقول الأب (لا)، لكن الابن يعرف أن بإمكانه الذهاب إلى أمه ليحصل على (نعم)، يضع الأب قاعدة، فتتجاوزها الزوجة أمام أبنائه أو تقاطعه: (خل الموضوع علي) هنا لا نتحدث عن امرأة قوية الشخصية، بل عن زوجة تتحول قوتها إلى إلغاء شريكها، حتى يصبح رأيه هامشياً. لكن الزوجة ليست دائماً من أخذت القرار، بعض الرجال يتنازلون عنه بأنفسهم. تسأله عن مدرسة الأبناء فيقول: (اللي تشوفينه) أو عن مشكلة فيجيب: (تصرفي)، وعن شؤون البيت، فيتركها لها لأنها (أعرف).
تمر السنوات، وهي تدير تفاصيل الأسرة، بينما يعتاد هو الوقوف على الهامش، ثم يكتشف أن أبناءه يرجعون إليها في كل شيء ويقول: (زوجتي ألغت شخصيتي). وقد تكون فعلت، لكن قبل أن تلومها، اسأل نفسك: كم مرة قلت لها (شوفي الموضوع)؟ وكم مرة تركت لها القرار؛ لأنك لم ترغب في تحمل مسؤوليته؟ فلا تشتكِ اليوم من مكانة تنازلت عنها بالأمس، فالمكانة أحياناً لا يأخذها منك أحد، بل تفقدها بتنازل صغير يتبعه آخر.
فالأسرة تشبه رحلة طويلة، لا تنجح إذا تنازع اثنان على مقودها، ولا إذا تركه أحدهما للآخر وانسحب. وقد تتولى الزوجة جانباً أكبر من إدارة الأسرة باتفاق زوجها، ولا مشكلة في ذلك، فالمشكلة ليست فيمن يفعل أكثر، بل فيمن يلغي الآخر. وإذا أردنا معرفة من يملك القرار، فلا تسألوا الزوجين.. راقبوا الأبناء. فالابن الذي يرفض أبوه خروجه، ثم يتجه إلى أمه لتغيير القرار قد فهم أين توجد الكلمة الأخيرة. الأطفال يكتشفون سريعاً خريطة السلطة في البيت، وأحياناً يعرفون من يحكمه أكثر مما يعترف به الزوجان نفسيهما. بعض الآباء يطالبون بمكانتهم داخل الأسرة، وهم لا يعرفون الكثير عن تفاصيلها، لا يحضر أحدهم اجتماع المدرسة، ولا يعرف موعد الطبيب أو ما يشغل أبناءه، لكنه يظهر عند اتخاذ القرار ليقول: (أنا كلمتي الأخيرة). فكيف تطالب بمكانة لم تتحمل مسؤوليتها؟ القيادة ليست كلمة أخيرة، بل مسؤولية أولى.
وقد تشتكي الزوجة من رجل لا يتحمل المسؤولية، وهنا عليها أن تسأل نفسها: هل تركتِ له يوماً مساحة ليتحملها بطريقته؟ ربما حاول فقلتِ له: (خلها علي)، وحاول ثانية فقلتِ: (أنت ما تعرف)، فلم تعجبك طريقته وفعلتِه بطريقتك. ثم بعد سنوات تشتكين: (زوجي لا يتحمل المسؤولية).
لكن هل كان كذلك منذ البداية، أم أنكِ ساهمتِ من دون أن تشعري في صناعة الرجل الذي تشتكين منه اليوم؟ كلما سيطرتِ انسحب أكثر، وكلما انسحب أمسكتِ أنتِ بالمزيد، حتى أصبح هو ينتظر وأنتِ تقررين. هذا لا يبرر انسحابه، لكن اسألي نفسك: هل تريدين فعلاً زوجاً يشاركك المسؤولية، أم تريدينه أن يشاركك بشرط أن يفعل كل شيء بالطريقة التي تريدينها؟
وبصراحة، لا أتعاطف مع رجل ترك مسؤولياته عاماً بعد عام ثم غضب؛ لأن زوجته أصبحت تقرر، ولا مع زوجة ألغت زوجها أمام أبنائه، ثم اشتكت من أنهم لم يعودوا يرجعون إليه. المكانة لا تُفرض بالصوت المرتفع، ولا تُحفظ بإلغاء الآخر. وإذا كان الزواج رحلة، فالسؤال ليس فقط من يمسك بالمقود، بل من يعرف الطريق، ويتحمل مسؤولية الوصول، ويحفظ مكان الآخر، لأن أخطر ما قد يحدث أن ينشغل الزوجان بالصراع على المقود، وينسيا أن أبناءهما يجلسون في المقاعد الخلفية.