تُمثّل رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، في التعايش والتسامح، نهجاً وطنياً راسخاً يقوم على احترام الإنسان، وقبول التنوع، وتشجيع الحوار بين الثقافات والأديان، بوصفها قيماً أساسية لبناء مجتمعات أكثر أمناً واستقراراً وسلاماً. وقد تُرجمت هذه الرؤية إلى منظومة وطنية متكاملة تجسّدت في مؤسسات ومبادرات وبرامج امتد أثرها إلى المستويين الإقليمي والدولي، لتقدم للعالم رسالة بحرينية واضحة مفادها أن الاختلاف يمكن أن يكون مساحة للتعارف والتعاون، وأن التنوع مصدر قوة، وأن التسامح قادر على صناعة أثر مستدام.
إن المتأمل في تاريخ مملكة البحرين يدرك أن الانفتاح وقبول الآخر من القيم المتجذرة في الهوية الوطنية؛ فقد كانت المملكة، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها التجاري والثقافي، ملتقى للتواصل الحضاري والتفاعل بين الشعوب والثقافات. ومن هذا الإرث انطلقت رؤية أكثر اتساعاً في عهد جلالة الملك المعظم، فانتقلت قيم التعايش من كونها ممارسات راسخة في المجتمع إلى مسار مؤسسي ومبادرات ذات امتداد إقليمي ودولي.
وتبرز أهمية هذا النهج في قدرته على تحويل القيم إلى عمل مؤسسي مستدام. فعندما تتحول مبادئ التسامح والحوار والاحترام إلى برامج تعليمية وتدريبية ومبادرات عملية، تصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، وبناء الوعي، وتعزيز ثقافة الحوار، وإعداد قيادات قادرة على ترجمة هذه القيم إلى ممارسات راسخة في المجتمع.
وتتجدد هذه الرؤية في الكلمة السامية التي وجهها جلالة الملك، حفظه الله ورعاه، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف في 25 أغسطس 2026، والتي استحضر فيها جلالته ما تزخر به السيرة النبوية الشريفة من دروس الهداية وبناء الإنسان وترسيخ العدل وإعلاء مكارم الأخلاق، وما تجسده من سماحة الإسلام ورحمته ودعوته إلى السلام والتعايش والتضامن. وتؤكد هذه المضامين أن القيم الأخلاقية والإنسانية ليست مبادئ مجردة، وإنما هي أساس لبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة تحديات العصر، وترسيخ الاحترام المتبادل، وتعزيز الرحمة والتآلف بين أفراده. ومن هذا المنطلق، تنسجم الكلمة السامية مع الرؤية الملكية التي جعلت من الإنسان وكرامته، والحوار، وقبول الآخر، ركائز أساسية لبناء السلام وتعزيز التعايش.
وتتجلى هذه الرؤية كذلك في الدور الذي يضطلع به مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، الذي أُنشئ بموجب الأمر الملكي رقم (15) لسنة 2018 باسم «مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي»، ثم اعتُمدت تسميته الحالية بموجب الأمر الملكي رقم (13) لسنة 2025، كما اعتمد الأمر ذاته تسمية «جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح». ويعكس المركز في رسالته توجهًا مؤسسيًا لنشر قيم التعايش والتسامح واحترام التنوع الديني والثقافي، وبناء جسور التواصل والحوار، وتعزيز ثقافة السلام، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.
ومن المحطات البارزة في هذا المسار إعلان مملكة البحرين لعام 2017، الذي أكد مبادئ الحرية الدينية، والاحترام المتبادل، والتعايش، ونبذ التطرف والكراهية، وقدم رؤية تؤكد أن احترام التنوع الديني والثقافي، والحوار بين أتباع الأديان، يمكن أن يشكلا أساسًا للسلام والتفاهم الإنساني. وقد مثّل الإعلان محطة مهمة في تحويل هذه المبادئ إلى رسالة ذات حضور دولي.
وامتدت الرؤية الملكية إلى التعليم والتأهيل وبناء الإنسان، إيمانًا بأن استدامة قيم التعايش تحتاج إلى أجيال قادرة على حملها وتطويرها. وفي هذا السياق جاء برنامج الملك حمد للريادة في التعايش، الذي أطلقه المركز بالشراكة مع مؤسسة «الإيمان في القيادة» ومعهد 1928 التابع لجامعة أكسفورد، بهدف إعداد قيادات شابة تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لتعزيز الحوار والتسامح ومواجهة خطاب الكراهية، مع الجمع بين التدريب النظري والتطبيق العملي، وتأهيل المشاركين ليكونوا مدربين وقادة في مجال التعايش. وقد شهد البرنامج تخريج دفعته الأولى، بما يعكس انتقال الاستثمار في القيم من الخطاب إلى بناء القدرات البشرية.
وفي السياق ذاته، تكتسب جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح أهمية خاصة باعتبارها امتدادًا للرؤية الملكية، ومنصة دولية لتكريم الأفراد والمؤسسات التي تقدم إسهامات موثقة في تعزيز ثقافة التسامح والتعايش والحوار والاحترام المتبادل، وتترك أثراً إيجابياً ومستداماً في المجتمعات. وقد أُنشئت الجائزة بموجب الأمر الملكي رقم (32) لسنة 2024 باسم «جائزة الملك حمد للتعايش السلمي»، ثم اعتُمدت تسميتها الحالية بموجب الأمر الملكي رقم (13) لسنة 2025.
ومع انطلاق دورتها الأولى وفتح باب الترشح عالمياً في 18 أغسطس 2026 وحتى 10 أكتوبر 2026، تنتقل هذه المبادرة البحرينية إلى فضاء دولي أوسع، لتؤكد أن البحرين لا تكتفي بالدعوة إلى التعايش، بل تسهم في إبراز المبادرات والتجارب الإنسانية التي تجعله واقعًا ملموسًا، وتشجع الجهود القادرة على إحداث أثر إيجابي ومستدام.
ويؤكد هذا التوجه ما جاء في تصريح معالي الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، رئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح ورئيس لجنة التحكيم الدولية لجائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، بمناسبة إطلاق دورتها الأولى، حيث أكد أن الجائزة تجسد الرؤية الملكية في ترسيخ قيم التعايش والتسامح والاحترام المتبادل، ودعم الجهود الرامية إلى بناء مجتمعات أكثر تماسكاً واستقراراً، وإبراز التجارب والإنجازات التي تعزز الحوار والثقة والتفاهم بين الشعوب والثقافات.
وإذا كانت الرؤية الملكية قد أسست لمنظومة وطنية متكاملة، فإن الحضور البحريني في المحافل الدولية أكد قدرتها على التأثير خارج حدود الوطن. وقد تجلى ذلك في استضافة مملكة البحرين الدورة السادسة والأربعين بعد المئة للجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي في المنامة خلال الفترة من 11 إلى 15 مارس 2023، حيث تناول النقاش العام موضوع «تعزيز التعايش السلمي والمجتمعات الشاملة: مكافحة التعصب»، واختُتمت أعمال الدورة باعتماد «إعلان المنامة»، الذي تناول تعزيز التعايش السلمي والمجتمعات الشاملة ومكافحة التعصب. وقد حظي الإعلان بتأييد ممثلي برلمانات نحو 140 دولة، في محطة بارزة للدبلوماسية البرلمانية البحرينية.
وقد أكد «إعلان المنامة» أهمية دور البرلمانات في تعزيز الحوار، ومواجهة التعصب، وحماية الكرامة الإنسانية، وبناء مجتمعات أكثر شمولًا وتماسكًا، لتبرز الدبلوماسية البرلمانية بوصفها إحدى الأدوات التي تسهم في تحويل القيم الإنسانية إلى حوار دولي ومواقف مشتركة، ومد جسور التواصل بين الشعوب والثقافات. وهنا يظهر بوضوح أن التعايش لم يعد موضوعًا اجتماعيًا أو ثقافيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من النقاش البرلماني والدولي حول السلام والاستقرار والمجتمعات الشاملة.
ومن أبرز المؤشرات على اتساع هذا الأثر وصول قضية التعايش السلمي إلى الأجندة الدولية للأمم المتحدة، إذ اعتمدت الجمعية العامة في 4 مارس 2025 القرار A/RES/79/269، الذي أعلن 28 يناير يومًا دوليًا للتعايش السلمي، واحتُفل به للمرة الأولى في 28 يناير 2026. وأكد القرار أهمية تعزيز التسامح واحترام التنوع الديني والثقافي، والحوار والتفاهم والتضامن بين الشعوب.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لمملكة البحرين، إذ أكد الاتحاد البرلماني الدولي أن القرار الأممي قُدّم بمبادرة من المملكة، بدعم من مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، كما أشار إلى أن «إعلان المنامة» كان إحدى المحطات المهمة في هذا المسار. وبذلك انتقلت رسالة التعايش من نطاق المبادرات الوطنية إلى إطار دولي أوسع، لتصبح قضية تحظى بمساحة واضحة على جدول العمل العالمي.
إن الدبلوماسية البحرينية، وهي تستند إلى هذه الرؤية الملكية، تنطلق من قناعة بأن السلام لا يعني غياب الخلاف، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف بالحوار والاحترام، وأن التنمية والازدهار يحتاجان إلى بيئة يسودها الاستقرار والتفاهم. ومن هنا تأتي الدعوة البحرينية المستمرة إلى الحوار باعتبارها تعبيرًا عن إدراك عميق بأن التحديات العالمية تتطلب إرادة جماعية تضع الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.
وما يميز رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، أنها لم تتعامل مع التسامح باعتباره شعاراً عابراً، وإنما جعلته مساراً مؤسسياً امتد إلى التعليم والحوار وبناء القدرات والمبادرات الوطنية والدولية. وهكذا أصبح المبدأ ممارسة، والفكرة مؤسسة، والمبادرة أثراً، والرؤية الوطنية رسالة إنسانية تتجاوز الحدود.
إن مسيرة مملكة البحرين في ظل العهد الزاهر تؤكد أن التعايش والتسامح نهج استراتيجي ثابت، يستند إلى رؤية ملكية وضعت الإنسان في قلب مشروعها، وجعلت من احترام التنوع والحوار والانفتاح أدوات لبناء السلام وتعزيز الاستقرار. ومن خلال المؤسسات والبرامج والشراكات الدولية، تتعزز قدرة هذه الرؤية على الوصول إلى الأجيال الجديدة وإنتاج أثر يتجاوز حدود المكان والزمان.
وستظل رؤية جلالة الملك المعظم، أيده الله، جسراً للحوار والتقارب الإنساني، ورسالة بحرينية تؤكد أن صناعة المستقبل تبدأ من احترام الإنسان، وتزدهر بالحوار، وتستدام بالتعايش؛ وأن الأوطان التي تجعل الإنسان وكرامته محوراً لرؤيتها، تستطيع أن تحول قيمها الوطنية إلى أثر إنساني يمتد إلى العالم.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية