أيمن شكل
نظمت مؤسسة شباب العالم الدولية، أمس، ملتقى العدالة الجنائية وتمكين الشباب – النسخة الثانية، بمشاركة نخبة من المسؤولين والقانونيين والأكاديميين والخبراء والمتخصصين وبرعاية مجموعة الناشري للمحاماة وشراكة استراتيجية مع الكمال للمحاماة والاستشارات القانونية.
وفي كلمته لدى افتتاح الملتقى، أكد المحامي عبدالله الناشري أن العدالة هي أساس الحكم الرشيد وسيادة القانون باعتبارهما الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الحريات وتعزيز أمن المجتمع واستقراره، لافتاً إلى أن العدالة الجنائية بمفهومها الحديث تتجاوز فكرة العقوبة إلى منظومة متكاملة غايتها إحقاق الحق وإنصاف المظلوم وضمان حقوق جميع أطراف الدعوى وفق إجراءات تتسم بالنزاهة والشفافية والاستقلال.
وأوضح أن توظيف التقنية والذكاء الاصطناعي في المجال الجنائي أصبح واقعاً يفرض نفسه على المشرع والقاضي والمحقق وجميع أطراف منظومة العدالة، مما يستدعي تطوير التشريعات والإجراءات ورفع كفاءة الكوادر المتخصصة، وتعزيز التعاون الدولي، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب الضمانات القانونية أو الحقوق والحريات.
بدوره نوه رئيس جمعية المحامين صلاح المدفع إلى أن الدستور لم يترك فسحة لتأويل ماهية الضمانات المقصودة في التحقيق والمحاكمة، وقال: «يجب أن يكون لكل متهم في جناية محام يدافع عنه بموافقته»، مؤكداً أهمية دور المحامي في تحقيق العدالة على النحو الذي أرادته الشرائع المتعاقبة، وعلى رأسها الشريعة الإسلامية الغراء.
وشدد المدفع على أن التحدي لا يكمن في الوصول إلى أدلة تكفي لحمل حكم بالإدانة، وإنما بالتأكد من انعدام أية شكوك تنفي أية شبهة للبراءة، منوها بالعبء الملقى على عاتق أجهزة التحري والتحقيق وسلطة الحكم، وأكد على أن تحقيق العدالة لا يتطلب فقط تطبيقا حرفيا لنصوص القانون الجامدة، وإنما يستوجب النظر في وسيلة تحقيق العدل من خلال تلك النصوص.
وعُنونت الجلسة النقاشية الأولى بعنوان «تمكين الشباب ومستقبل المسؤولية في منظومة العدالة الجنائية»، والتي تحدث فيها المستشار المحامي عبدالرحمن غنيم، والمحامية فاتن الحداد، حيث تطرق غنيم إلى 3 محاور رئيسة، أكد فيها على أهمية تمكين المحامين الشباب في مجال العدالة الجنائية، واستعرض الفجوة بين الدراسة الأكاديمية والممارسة العملية، والحلول لتأهيل المحامين الجدد عبر مهارات قانونية وعملية وشخصية، مع إبراز دور المؤسسات القانونية في صناعة جيل مؤهل.
ولفت إلى مشكلة الفجوة بين المعرفة النظرية (القواعد القانونية، أركان الجريمة، الإجراءات) والواقع العملي (ملفات متداخلة مع وقائع وأدلة ومواعيد)، والتحدي الخاص بتحويل المعرفة المجردة إلى استراتيجية دفاع عملية، وضرورة ردم هذه الفجوة عبر التدريب ونقل الخبرة.
وبين في المحور الثاني أهمية المهارات والخبرات اللازمة للمحامي الشاب لمواكبة تطورات العدالة الجنائية، وإتقان القانون الجنائي والإجراءات وقواعد الإثبات، مع القدرة على التحليل وربط النصوص بالوقائع. فيما تحدث بالمحور الثالث عن دور مكاتب المحاماة والمؤسسات القانونية في صناعة جيل جديد من المحامين المؤهلين.
بدورها أشارت المحامية فاتن الحداد إلى أن الذكاء الاصطناعي أدخل مفهوماً جديداً وهو «الجرائم التي لم يرتكبها أحد»، لافتة إلى المنطقة الرمادية الجديدة عندما يرتكب النظام فعلاً ضاراً أو غير مشروع، من دون أن يكون هناك شخص أعطاه أمراً مباشراً بارتكاب الجريمة، والجرائم التي يتم ارتكابها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل إنشاء محتوى مزيف أو انتحال شخصية أو التلاعب بمعلومات، وعندما يكون تحديد الشخص الذي يقف فعلياً وراء الفعل أمراً معقداً.
وقالت: «المشكلة أن القانون الجنائي التقليدي بُني على فكرة واضحة.. هناك إنسان ارتكب فعلاً، ونستطيع أن نثبت أنه ارتكبه بإرادته وعلمه وقصده أو بخطئه، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر هذه المعادلة؛ فقد أصبح النظام قادراً على تحليل البيانات، واتخاذ قرارات، وأحياناً تنفيذ أفعال دون تدخل بشري مباشر في كل مرحلة، لذلك، عندما تقع جريمة، لا يكفي أن نسأل: (من ضغط على الزر؟) بل يجب أن نسأل.
من صمّم النظام؟ من درّبه؟ من أدخله إلى الخدمة؟ من كان مسؤولاً عن مراقبته؟ من كان يعلم بوجود الخطر؟ ومن كان يستطيع منعه ولم يفعل؟» وفي الجلسة النقاشية الثانية تحت عنوان «العدالة الجنائية بين التطورات العلمية والتشريعية والتقنيات الحديثة»، تناول أستاذ القانون الخاص بكلية حقوق جامعة البحرين، د. محمد العنزي قضية «الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في خدمة العدالة الجنائية والتحقيقات الجنائية في مملكة البحرين» وتحويل البيانات والأدلة الرقمية والخوارزميات إلى أدوات مساعدة للعدالة دون المساس بالمحاكمة العادلة أو قرينة البراءة.
ونوه بالإطار البحريني الحاكم الذي يعمل الذكاء الاصطناعي ضمنه، والمنظومة التشريعية والإجرائية التي تتضمن السياسة العامة للاستخدام الحكومي للذكاء الاصطناعي وقانون حماية البيانات الشخصية وقانون جرائم تقنية المعلومات وقانون الإجراءات الجنائية.
كذلك استعرض العنزي بعض التطبيقات العملية للتحقيقات الجنائية الذكية والأثر المتوقع على العدالة الجنائية، وكذلك المخاطر القانونية والأخلاقية، واقترح خريطة طريق تبدأ بالتهيئة وحصر الأنظمة ذات الصلة بالأدلة الرقمية وتحديد الاستخدامات الأقل خطورة، ثم التجريب المنضبط، والحوكمة، وبناء القدرات، وأخيرا التقييم والتوسع.
وفي مداخلته بالجلسة أكد مدير إدارة شؤون التظلمات بوزارة الداخلية د. عبدالرحمن فارس أن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الطبي - رغم كونه مبشراً - فقد يصاحبه أضرار، مما يدعو إلى حماية البشر وفرض مسؤولية جنائية على الأطباء عند إخلالهم بالالتزامات والضوابط المفروضة.
وعدد فارس 5 تطبيقات رئيسية للذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، وهي: الأشعة والتشخيص، تطوير الأدوية واللقاحات، الرعاية الافتراضية والتشخيص الأولي، تحليل البيانات والسجلات الطبية.
وتطرق إلى الإشكاليات التي أفرزها هذا التطور، مطرحاً تساؤلاً حول المسؤولية الجنائية عند حدوث خطأ تشخيصي أو جراحي، وهل يتحملها الطبيب، أو المستشفى، أو الشركة المصنعة، وأوضح أن القضاء العالمي، بما في ذلك موقف الاتحاد الأمريكي، لا يزال يتعامل مع هذه الأخطاء بأدوات القانون التقليدي (كالإهمال)، ويُبقي العبء على الطبيب باعتباره «صاحب القرار النهائي»، حتى لو استند إلى توصية الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد بقاء الطبيب في دائرة المسؤولية، رغم تراجع سيطرته الفعلية على أداة التشخيص. واختتم بتوصية للمشرع البحريني بسن قانون لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الطبي، بحيث يتضمن ثلاثة محاور: بيان المفهوم والضوابط، تحديد الأمور المحظور تجنبها، وتحديد المسؤولية الجنائية بوضوح لضمان عدم انتهاك الحق في الحياة أو الكرامة الإنسانية.
وفي ثالث الجلسات النقاشية بعنوان «العدالة الجنائية وأثرها في تعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي»، تحدث الرئيس التنفيذي للمركز الدولي الخليجي المستشار د. محمد الذوادي، عن العدالة الجنائية الحقيقية مؤكدا أنها هي التي تحمي المجتمع، وتمنع الجريمة، وتطبق القانون بعدل، وتحفظ الحقوق، وتصلح الممكن إصلاحه. وقال: مع التحولات الرقمية، يبرز دور الشباب ليس كمستفيدين فحسب، بل كشركاء في الوقاية ونشر الثقافة القانونية.