تابعت باهتمام بالغ ما أوردته وزارة المالية والاقتصاد الوطني في تقريرها الاقتصادي الفصلي للربع الأول من عام 2026، وأرى أن القراءة المنصفة للبيانات الواردة تعكس صورة جلية لمكانة الاقتصاد البحريني، صورة عنوانها الأبرز هو المرونة العالية وقدرة النموذج الاقتصادي على امتصاص الصدمات الاستثنائية والتحول بنجاح نحو قطاعات مستقبلية مستدامة.
لقد توقفت ملياً عند مؤشرات شهري يناير وفبراير من هذا العام، حيث أرى أن الانطلاقة القوية والنشاط المتصاعد خلالهما كانا تعبيراً حقيقياً عن الديناميكية الكامنة في السوق المحلي، ورغم التحديات والمستجدات الطارئة التي شهدها شهر مارس جراء الاعتداءات الإيرانية الآثمة، وما نتج عنها من قيود على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز أثرت على الصادرات النفطية وأعمال الصيانة المجدولة، إلا أن عصب الاقتصاد لم يهتز، وهنا تحديداً أعتقد أن القوة الحقيقية لأي اقتصاد لا تقاس فقط بظروف الاستقرار، بل بمدى قدرته على الصمود والتعافي أمام الظروف القاهرة.
وتشير الأرقام بوضوح إلى أن استراتيجية التنويع الاقتصادي أصبحت واقعاً صلباً يحمي الاقتصاد الوطني، إذ تشكل الأنشطة غير النفطية اليوم ما نسبته 90.1% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، وما يبعث على التفاؤل والاطمئنان حقاً هو تسجيل 9 أنشطة من أصل 13 نشاطاً غير نفطي نمواً إيجابياً خلال الربع الأول، بنسبة نمو إجمالية بلغت 2.2% بالأسعار الثابتة للقطاع غير النفطي، مما أتاح للاقتصاد الوطني قاعدة متينة وازنت انخفاض القطاع النفطي المؤقت.
وفي هذا السياق، أرى في أداء الأنشطة المالية وأنشطة التأمين دليلاً قاطعاً على النضج المؤسسي والتنافسية العالية لقطاع الخدمات المالية في المملكة، إذ حقق هذا القطاع، الذي يعد أكبر المساهمين في الناتج المحلي بنسبة 19.7%، أعلى معدل نمو سنوي بين الأنشطة غير النفطية بنسبة بلغت 8.6%، يُضاف إلى ذلك الأداء المتزن لقطاعات حيوية أخرى كالصناعة التحويلية بـ(14.6%)، والإدارة العامة بـ(9.0%)، والتشييد بـ(7.0%)، وهو ما يعكس حيوية وتكاملاً في البنية الاقتصادية الوطنية.
كما أعتقد أن ثقة المستثمر الأجنبي تظل المعيار الأساسي لجاذبية بيئة الأعمال، وتشير الأرقام هنا إلى ارتفاع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 2.6% على أساس سنوي بنهاية الربع الأول ليصل إلى 17.6 مليار دينار بحريني، هذه الزيادة في التراكم الاستثماري لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة طبيعية لمنظومة تشريعية وتنظيمية متطورة، وجاهزية عالية لتسهيل ممارسة الأعمال.
ولعل ما يؤكد صواب الخيارات الاستراتيجية للمملكة، هو تلك المكتسبات التي تُبرزها المؤشرات الدولية، حيث تربع اسم البحرين في المركز الأول عالمياً في 67 مؤشراً تنافسياً وتنموياً، وجاءت ضمن أفضل 5 مراكز عالمياً في 120 مؤشراً، وحلول المملكة في المرتبة الأولى عالمياً في الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفقاً لتقرير التنافسية العالمية 2026، والأولى عالمياً في حوكمة التمويل الإسلامي، وفي استقطاب الاستثمارات، إلى جانب القفزة المشهودة لتبوّء المرتبة السادسة عالمياً في مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات، كل ذلك يبرهن أن البحرين تصنع نموذجاً عالمياً ريادياً للنمو القائم على الابتكار والتنافسية.
أرى أن التقرير الاقتصادي الفصلي للربع الأول من 2026 يرسم وثيقة نجاح حقيقية تؤكد أن الاقتصاد البحريني يملك الرؤية، والصلابة، والمرونة التي تمكنه من تجاوز كافة التحديات والمضي قدماً نحو آفاق تنموية شاملة ومستدامة.
ويأتي هذا الأداء ثمرةً للرؤية الحكيمة والدعم المتواصل من القيادة الرشيدة، التي أرست نهجاً تنموياً طموحاً يعزز مكانة مملكة البحرين وتنافسيتها الاقتصادية، إلى جانب الجهود المتميزة التي يقودها معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني في ترسيخ دعائم الاستقرار المالي، ودفع مسارات النمو، وتعزيز استدامة الاقتصاد الوطني.