صباح مختلف تعيشه البحرين اليوم؛ ليس فقط لآلاف الطلبة الذين سيعودون إلى مقاعد الدراسة، وإنما لكثير من الآباء والأمهات الذين ارتبطت المدرسة في ذاكرتهم بصوت جرس، وطابور صباحي، وحقيبة جديدة، ودفاتر كانت رائحتها وحدها كافية لتخبرنا بأن عاماً جديداً قد بدأ.

شخصياً؛ كان لجرس المدرسة في ذاكرتي مكان خاص، فمهما مرت السنوات، يكفي أن أسمعه حتى يعيدني إلى ذلك الشعور الذي يجمع بين فرحة لقاء الأصدقاء، وشيء من رهبة المعلمين والواجبات والامتحانات، وإلى أمهات وآباء يقفون عند أبواب المدارس يراقبون أبناءهم وهم يبتعدون نحو عالم سيكبرون فيه.

لكني أرى أن جرس الطابور هذا الصباح يحمل معنى أكبر.

فأبناؤنا يعودون إلى مدارسهم حضورياً بعد عام دراسي غير عادي، مرت فيه البحرين بظرف استثنائي فرضته الاعتداءات الإيرانية، واضطرت معه الدولة، حفاظاً على سلامة الطلبة والهيئات التعليمية، إلى الانتقال للتعلم عن بعد.

تحول الفصل الدراسي إلى شاشة، وغاب الطابور والجرس والمقعد، لكن التعليم تواصل، وظل المعلم حاضراً، وأكمل الطلبة عامهم، فيما أصبحت الأسرة شريكاً في اليوم الدراسي.

ولهذا قرأت كلمة جلالة الملك المعظم بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد بصورة تتجاوز كونها تهنئة ملكية لأبنائه الطلبة ومعلميهم وأولياء الأمور، قرأتها كرسالة عن وطن أصر على ألا يسمح للظرف بأن يوقف مستقبل أبنائه.

واستوقفتني كثيراً إشادة جلالته باستمرار العملية التعليمية وصون تحصيل الطلبة، وربطه ذلك بمشروع «مدارس المستقبل» الذي انطلق منذ عام 2005، ففي الأوقات العادية ننظر إلى التحول الرقمي باعتباره تطويراً للتعليم، لكن عندما جاءت الأزمة اكتشفنا أن ما بني قبل أكثر من عقدين لم يكن مجرد مشروع تقني، فقد تحول في لحظة استثنائية إلى وسيلة حافظت على حق أبنائنا في التعلم.

الأجمل أن جلالة الملك المعظم لم يتحدث عن التعليم بوصفه مدارس ومناهج وأنظمة إلكترونية فحسب، بل التفت إلى الإنسان الذي يقف خلفها؛ المعلم والإداري والفني، والأب والأم اللذين تحملا مسؤولية إضافية، وإلى الطالب نفسه الذي كان مطالباً بأن يتكيف مع واقع جديد.

واليوم يعود هؤلاء جميعاً إلى المدرسة.

ستفتح البوابات من جديد، وتمتلئ الممرات بأصوات الطلبة، ويلتقي الأصدقاء بعد غياب، ويقف المعلم أمام طلبته وليس خلف الشاشة، وسيعود الجرس الذي ربما كان بعضنا يتمنى في طفولته ألا يسمعه صباحاً.

لكنني أعتقد أننا سنسمعه هذه المرة بطريقة مختلفة.

فجرس الطابور هذا الصباح لا يعلن فقط بداية عام دراسي جديد، وإنما يعلن أن الحياة عادت إلى طبيعتها، وأن البحرين، رغم ما مر بها، حافظت على أهم ما تملكه للمستقبل؛ أبناءها وتعليمهم.