تجددت المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وعادت التهديدات بالصواريخ والمسيرات إلى منطقتنا ودولنا مرة أخرى. وعاد السؤال: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع، وكيف يجب أن تنتهي هذه الحرب؟!
هناك دول وشعوب واقتصادات كاملة تدفع ثمن ما يحصل. دول مستقرة اختارت أن تستثمر في التنمية، وتبني اقتصاداتها، وتجذب الاستثمارات، وتوفر مستقبلاً أفضل لشعوبها. هذه الدول لا يمكن أن تبقى رهينة قرار إيراني بإغلاق مضيق هرمز، أو تهديد ناقلات النفط، أو إطلاق الصواريخ والمسيرات كلما قرر النظام الإيراني إشعال المنطقة.
رأينا ماذا حدث في فترات التهدئة. تنفست المنطقة، وعادت الحياة تدريجياً إلى طبيعتها، لكن الآثار الاقتصادية بقيت حاضرة بسبب استمرار التوتر في المضيق والمخاوف من عودة التوتر العسكري. وللأسف ها هو يعود!
ليس قراراً استراتيجياً بأن تهدأ الحرب أسابيع ثم تشتعل مجدداً؛ وهذا عائد لاستمرار وجود أسباب اشتعالها، ونعني هنا الجانب الإيراني الذي يصر على التصعيد العسكري.
حتى التهدئة بحجة المفاوضات وكيف ستمضي والطريقة التي ستنتهي بها؛ إذ هو وضع كأننا نعيش فيه فوق رماد تحته جمر ينتظر اللحظة المناسبة للاشتعال. وهو وضع غير مقبول وكأنه قدر مفروض على منطقتنا.
هنا علينا التفريق بين وقف الحرب وبين إنهاء أسباب الحرب.
الهدنة ممكنة، وقد تتوصل واشنطن وطهران في مرحلة ما إلى اتفاق يوقف الضربات ويعيد التفاوض. وقد تهدأ الجبهات، وتعود الملاحة بشكل أفضل، وتنخفض حدة التوتر. لكن أين المشكلة؟!
المشكلة إذا بقي النظام الإيراني بالعقيدة نفسها، وبقي الحرس الثوري بالعتاد العسكري والنفوذ نفسيهما، وبقيت سياسة تصدير الثورة، وصناعة الأذرع، وتجنيد الموالين، وتمويل الجماعات المسلحة، والتدخل في شؤون دول المنطقة.
هنا سنكون قد أجلنا الأزمة، ولم نحلها نهائياً. لأن المشكلة في العقلية التي تقف وراء قرار إطلاق الصواريخ والمسيرات، المشكلة في مشروع سياسي يعتبر دول الجوار ساحات نفوذ، ويرى في تهديد أمنها وسيلة لتحقيق أهدافه.
الوصول إلى استقرار حقيقي في منطقتنا يرتبط في النهاية بزوال هذا النظام بصيغته الحالية، وإنهاء هيمنة ولاية الفقيه والحرس الثوري على الدولة الإيرانية وقرارها.
هذا لا يعني الدعوة إلى تدمير إيران أو تقسيمها أو إدخالها في الفوضى، بل العكس تماما.
إيران كدولة مستقرة، مدنية، منشغلة باقتصادها وتنميتها ومستقبل شعبها، ستكون مكسباً للمنطقة. والشعب الإيراني نفسه سيكون أول المستفيدين حين تذهب موارد بلاده إلى التنمية والتعليم والصحة والوظائف وتحسين مستوى المعيشة، بدلا من الصواريخ والميليشيات والحروب ومشروعات التوسع وجيوب قادة الملالي والحرس الثوري والإنفاق على الأذرع والعملاء.
هناك شعب إيراني يستحق هو الآخر أن يعيش حياته بعيداً عن قبضة هؤلاء الملالي والعسكر، وأن يمتلك إرادته السياسية، وأن تصبح دولته دولة طبيعية تتعامل مع جيرانها باحترام وسيادة ومصالح مشتركة، لا بالتهديد والسلاح والتهديدات.
أما القبول ببقاء بؤرة تصدر العداء والتطرف العسكري، وتقصف دولنا وتهدد أمن شعوبنا ومصالحها، وتمارس القرصنة والبلطجة في ممراتنا البحرية، تقوم بكل ذلك تحت أي ذريعة كانت لإبقاء الوضع كما هو، فهذا أمر لم يعد مقبولاً.
زوال النظام وحده لا يكفي إن كان البديل صناعة فوضى أو منح الفرصة لنظام آخر يعيد إنتاج السلوك نفسه. المطلوب تحول حقيقي يقود إلى دولة مؤسسات، تنتهي فيها سطوة الحرس الثوري، ويتوقف معها مشروع تصدير الثورة والتدخل الخارجي.
عندها فقط يمكن القول إن الحرب انتهت فعلاً.
أما هدنة أخرى مع بقاء النظام والعقيدة والأدوات نفسها، فهذه ليست نهاية للحرب؛ إنها فقط تحديد موعد غير معلن للجولة القادمة! كما رأينا ما حصل الآن.