تستعد تركيا لبدء تنفيذ أولى الإجراءات القانونية المرتبطة بمسار المصالحة مع حزب العمال الكردستاني، في خطوة قد تفتح الباب أمام الإفراج عن آلاف السجناء وإعادة النظر في أوضاع مطلوبين قضائياً على خلفية ارتباطهم بالحزب.
وكشفت مصادر تركية مقرّبة من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد أن المرحلة الأولى من الإجراءات قد تشمل ما بين 3800 و4000 معتقل وسجين مرتبطين بحزب العمال الكردستاني، مع تعليق تنفيذ بعض العقوبات الصادرة بحقهم تمهيداً للإفراج عنهم، وفق الشروط التي يحددها الإطار القانوني الجديد.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مسار سياسي تسعى أنقرة من خلاله إلى إنهاء صراع مسلح مستمر منذ أكثر من أربعة عقود مع الحزب.
إعادة النظر في أوضاع 2800 مطلوب
ولا تقتصر الإجراءات على الموجودين داخل السجون، إذ ينص القانون الجديد على إعادة تقييم الوضع القانوني لنحو 2800 شخص صدرت بحقهم أوامر اعتقال لكنهم خارج السجون.
وبحسب المصادر، يمكن أن تُرفع أوامر الاعتقال عن بعض هؤلاء في حال سلموا أنفسهم للسلطات التركية أو تقدموا بطلبات قانونية من خلال محاميهم.
ومن المتوقع، بموجب الإجراءات الجديدة، تأجيل القضايا المرتبطة بهذه الفئة لمدة تصل إلى خمس سنوات. وفي حال عدم تورط أصحابها في جرائم «إرهابية» جديدة خلال هذه الفترة، يمكن إلغاء التحقيقات والقضايا القائمة بحقهم.
وتشير تقديرات إلى أن عدد المستفيدين من الإجراءات الجديدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قد يصل إلى نحو 100 ألف شخص.
قانون جديد لمرحلة ما بعد نزع السلاح
وكان البرلمان التركي قد أقر في أغسطس الماضي تشريعاً يضع إطاراً قانونياً للتعامل مع نتائج عملية نزع السلاح وإعادة دمج الأشخاص المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في المجتمع التركي.
وحظي القانون بموافقة 468 نائباً مقابل 88، بدعم من حزب العدالة والتنمية الحاكم والحزب المؤيد للأكراد.
وينص التشريع على تعليق بعض الملاحقات القضائية وأحكام السجن لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات، شريطة إلقاء السلاح وإنهاء النشاط التنظيمي.
وفي حال عدم ارتكاب جرائم جديدة خلال الفترة المحددة، يمكن إسقاط التحقيقات والعقوبات القائمة، بينما يستثني القانون المتورطين في جرائم القتل العمد وبعض المحكومين بالسجن المؤبد المشدد.
نهاية صراع استمر أكثر من 40 عاماً؟
ويعود الصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني إلى عام 1984، عندما بدأ الحزب تمرده المسلح ضد الدولة التركية، وأسفر النزاع على مدى العقود الماضية عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وفق تقديرات متداولة.
وشهدت تركيا محاولات سابقة للتوصل إلى تسوية سياسية، أبرزها مسار السلام الذي استمر بين عامي 2013 و2015، قبل انهياره وعودة المواجهات العسكرية بين الطرفين.
لكن المسار الحالي بدأ يتخذ منحى مختلفاً بعد إعلان حزب العمال الكردستاني العام الماضي حل نفسه وإلقاء السلاح، استجابة لدعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان، ما فتح الباب أمام مفاوضات جديدة مع أنقرة.
برامج لإعادة التأهيل والاندماج
وبالتوازي مع الإجراءات القضائية، تتضمن العملية برامج لإعادة تأهيل العائدين ودمجهم في المجتمع التركي، بمشاركة مختصين في الصحة النفسية والخدمات الاجتماعية.
وتستهدف هذه البرامج مساعدة الأشخاص الذين سيستفيدون من المسار الجديد على العودة إلى الحياة المدنية، ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بإعادة دمجهم في المجتمع.
لجان ميدانية تبدأ العمل في سبتمبر
ومن المنتظر أن تبدأ لجان فرعية عملها الميداني اعتباراً من منتصف سبتمبر لمتابعة عملية نزع السلاح وإخلاء مناطق الإيواء والتحقق من تنفيذ بنود المسار الجديد.
وتمثل طريقة التعامل مع السجناء والمطلوبين والعائدين أحد أبرز الاختبارات أمام نجاح المصالحة التركية، في ظل حساسية الملف وامتداده السياسي والأمني والاجتماعي.
وفي حال تنفيذ الإجراءات وفق الجدول المعلن، ستكون هذه الخطوات من أبرز التحولات في مسار الصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، وقد تشكل اختباراً عملياً لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من عقود المواجهة المسلحة إلى مرحلة جديدة من التسوية والاندماج.