مع كل عام دراسي جديد، لا تفتح المدارس أبوابها للطلبة فحسب، بل تفتح مملكة البحرين نافذة جديدة على المستقبل. ومن هذا المعنى جاءت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمناسبة بدء العام الدراسي والأكاديمي 2026-2027، حاملة رسالة تتجاوز المناسبة إلى تأكيد قيمة التعليم بوصفه ركيزة لبناء الإنسان، وحماية مكتسبات الوطن، والاستعداد لما هو قادم.
وقد استهل جلالته كلمته بتوجيه أطيب التمنيات للأساتذة وأولياء الأمور والطلبة والطالبات بعام مميز حافل بالتفوق والإنجاز، مع الإشارة إلى عودة الجميع إلى النظام الحضوري في المؤسسات التعليمية. وهذه البداية تعكس أن التعليم ليس مسؤولية المدرسة وحدها، بل منظومة متكاملة تتشارك فيها الأسرة والمعلم والطالب والمؤسسة التعليمية في تحقيق الغاية الوطنية الكبرى المتمثلة في بناء الإنسان.
ولعل من أبرز مضامين الكلمة السامية تأكيد قدرة المنظومة التعليمية البحرينية على الاستمرار في الظروف الاستثنائية. فقد أشار جلالته إلى المرحلة التي استدعت تفعيل التعلم عن بُعد حفاظاً على سلامة الجميع، مشيداً بالإجراءات الحكيمة التي اتخذتها الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، والتي أسهمت في استمرار العملية التعليمية وصون تحصيل الطلبة من الانقطاع. وهنا تبرز دلالة مهمة: قوة النظام التعليمي لا تقاس فقط بأدائه في الظروف الطبيعية، بل بقدرته على التكيف والاستمرار وقت التحديات.
كما حملت الإشارة الملكية إلى نجاح مشروع «مدارس المستقبل»، الذي انطلق منذ عام 2005، معنى يتجاوز استحضار تجربة سابقة؛ فهي تؤكد قيمة الاستثمار المبكر في البنية الرقمية والجاهزية المؤسسية. فالتقنية حين تُبنى ضمن رؤية طويلة المدى تتحول من أداة مساندة إلى عنصر من عناصر الجاهزية المؤسسية وضمان استمرارية التعليم. وهذه رسالة مهمة في زمن تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وتتغير معه طبيعة التعليم والعمل والمهارات.
ولا تقف دلالة هذه الرؤية عند ضمان استمرار الدراسة، بل تمتد إلى نوعية المخرجات التي نحتاج إليها في السنوات المقبلة. فالتعليم الذي يصنع المستقبل هو الذي يمنح الطالب المعرفة والمهارة والقدرة على مواكبة التحولات التقنية ومتطلبات سوق العمل، ويعزز لديه التفكير والإبداع والمرونة. بهذا المعنى، يصبح الاستثمار في التعليم استثماراً مباشراً في تنافسية البحرين، وفي قدرتها على تحويل رأس مالها البشري إلى قوة تنموية مستدامة.
وفي الوقت ذاته، لم تغب عن الكلمة السامية قيمة الإنسان نفسه، إذ حظيت جهود الهيئات الإدارية والتعليمية والفنية بالتقدير، كما توجه جلالته بالشكر إلى أولياء الأمور على تعاونهم ودعمهم. وهذا يرسخ حقيقة جوهرية مفادها أن التكنولوجيا مهما تطورت لا تصنع تعليماً ناجحاً وحدها؛ فالمعلم صاحب الرسالة، والأسرة المتابعة، والإدارة الكفؤة، والطالب الطموح، جميعهم شركاء في صناعة النتيجة.
وتحمل الكلمة كذلك بُعداً وطنياً واضحاً من خلال الإشادة بما أظهره شعب البحرين ومؤسساته من روح وطنية أصيلة وصدق في الانتماء ودعم لاستقرار الوطن. ومن هنا يصبح التعليم مساحة لبناء الشخصية الوطنية إلى جانب بناء المعرفة؛ ففي المدرسة يتعلم الطالب كيف يفكر، وكيف ينجز، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يكون مواطناً فاعلاً في مجتمعه.
ومع بداية هذا العام، تبدو الرسالة الأهم أن مستقبل البحرين لا يُنتظر، بل يُصنع كل يوم داخل الصفوف الدراسية، وفي المختبرات، وفي المنصات الرقمية، وبين يدي معلمين ومعلمات يحملون مسؤولية بناء الأجيال وصناعة الأثر.
وختاماً، نبارك لأبنائنا وبناتنا الطلبة والطالبات، وللمعلمين والمعلمات، وللهيئات الإدارية والفنية، ولأولياء الأمور، ولجميع منتسبي الميدان التربوي والتعليمي في مملكة البحرين بدء العام الدراسي الجديد 2026-2027، سائلين الله أن يكون عاماً حافلاً بالعلم والنجاح والتميز والإنجاز، وأن يحفظ مملكة البحرين وقيادتها وشعبها، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.