المحامية جنان انور حسن

تُقاس جودة التشريعات بمدى قدرتها على مواكبة الواقع العملي والاستجابة لما يكشفه التطبيق من تحديات، فالقانون ليس نصًا جامدًا، وإنما منظومة تشريعية تتطور مع تطور المجتمع، بما يضمن استمرار تحقيق الغاية التي شُرعت من أجلها، وهي إرساء العدالة وحماية الحقوق وتعزيز الاستقرار الأسري.

وقد شكّل صدور قانون أحكام الأسرة الموحد رقم (19) لسنة 2017 خطوة تشريعية بارزة في مملكة البحرين، أسهمت في توحيد العديد من الأحكام وتنظيم المسائل الأسرية بصورة أكثر وضوحًا، الأمر الذي انعكس إيجابًا على استقرار القضاء الأسري. إلا أن مرور عدة سنوات على تطبيق القانون أفرز جملة من الملاحظات العملية التي تستدعي مراجعة بعض الأحكام، ليس انتقاصًا من القانون، وإنما استجابة طبيعية لما كشفه الواقع القضائي من احتياجات تستوجب التطوير.

ومن أبرز المسائل التي تستحق إعادة النظر، أحكام نفقة الأبناء. فقد تغيرت الظروف الاقتصادية بصورة ملحوظة، وأصبحت تكاليف المعيشة والتعليم والعلاج والاحتياجات الأساسية للأطفال أعلى مما كانت عليه عند صدور القانون. ومن ثم، فإن إعادة صياغة المعايير التي يسترشد بها القضاء في تقدير النفقة، بصورة أكثر وضوحاً ومرونة، من شأنها أن تحقق قدراً أكبر من العدالة، وأن تحد من المنازعات المتكررة بشأن تقديرها أو تعديلها، بما يكفل حماية المصلحة الفضلى للطفل.

كما أن الأحكام المتعلقة بطلب الزوجة التفريق؛ بسبب الحكم على الزوج بعقوبة سالبة للحرية تستحق هي الأخرى مراجعة تشريعية. فربط التفريق في بعض الحالات بإثبات الضرر قد يؤدي عمليًا إلى إطالة أمد النزاع، في وقت تكون فيه آثار غياب الزوج وما يترتب عليها من اضطراب للحياة الأسرية قائمة بالفعل. ومن ثم، فإن إعادة النظر في هذه الأحكام بما يحقق التوازن بين استقرار الأسرة ورفع المشقة عن الزوجة يعد أمراً جديراً بالدراسة.

ومن الموضوعات التي كشفت التطبيقات القضائية الحاجة إلى إعادة تنظيمها كذلك، أحكام الخلع، ولا سيما فيما يتعلق بالمقابل المالي الذي تلتزم به الزوجة. فقد أدى غياب ضوابط أكثر تحديداً إلى تفاوت في الاجتهادات القضائية، وهو ما ينعكس على استقرار الأحكام، ويؤثر في توقعات المتقاضين. ومن هنا، فإن وضع معايير تشريعية أكثر وضوحاً يسهم في تحقيق قدر أكبر من توحيد الأحكام وتعزيز الأمن القانوني.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إعادة النظر في الأحكام المنظمة للخلع في الشق الجعفري، بما يحقق توازناً أفضل بين حقوق الزوجين، وبما يراعي ما كشف عنه التطبيق العملي من صعوبات، خاصة في الحالات التي يؤدي فيها اشتراط موافقة الزوج أو ترك تقدير بدل الخلع لإرادته إلى تعذر إنهاء الرابطة الزوجية رغم استحالة استمرارها. ويظل تطوير هذه الأحكام في إطار الضوابط الشرعية والفقهية المعتمدة أمراً جديراً بالنقاش العلمي والفقهي، تحقيقاً للغاية التي شُرع من أجلها نظام الخلع، والمتمثلة في إنهاء النزاع عندما يتعذر استمرار الحياة الزوجية.

ومن المسائل التي باتت تتكرر أمام محاكم الأسرة كذلك، امتناع الطفل عن تنفيذ أحكام الزيارة أو الاستضافة. فقد أصبح هذا الواقع يفرض تحديات عملية تمس حقوق الوالدين ومصلحة الطفل في آنٍ واحد، الأمر الذي يستدعي وضع آليات قانونية وإجرائية أكثر فاعلية للتعامل مع هذه الحالات، بمشاركة المختصين الاجتماعيين والنفسيين، وبما يحقق التوازن بين احترام إرادة الطفل وعدم تحويلها إلى وسيلة لتعطيل تنفيذ الأحكام القضائية.

إن مراجعة قانون أحكام الأسرة لا ينبغي أن تُفهم على أنها انتقاد للتجربة التشريعية، بل هي امتداد طبيعي لها. فالتشريعات الرصينة هي تلك التي تخضع للتقييم المستمر، وتستجيب لما يكشفه التطبيق من احتياجات، بما يضمن استمرار تحقيق العدالة وحماية الأسرة.

ومن هنا، فإن فتح باب الحوار حول تطوير بعض أحكام قانون الأسرة أصبح ضرورة يفرضها الواقع العملي، على أن يستند هذا الحوار إلى الدراسات والإحصاءات والتجارب القضائية، وأن يشارك فيه القضاة والمحامون والأكاديميون والجهات المختصة، وصولاً إلى قانون أكثر كفاءة، وأكثر اتساقاً مع متطلبات المجتمع البحريني، وأكثر قدرة على تحقيق العدالة وصون كيان الأسرة.

* عضو مجلس إدارة جمعية المحامين البحرينية - مقررة لجنة المرأة

المحامية جنان أنور حسن