يقول علماء النفس إن ما يحدث لنا في طفولتنا يترك أثره العميق في تكوين الشخصيات التي نصبح عليها لاحقاً. ومن هنا تكمن خطورة التربية في أنها تشكّل وعي أجيال بأكملها، وتعيد ترتيب أدوارهم في الحياة. فمن اعتاد الإهانة من والديه، يصعب عليه أن يحترم ذاته، ومن عاش الحرمان يكبر، وفي داخله خوف دائم من الفقد، ومن تربى وهو يشعر بالدونية قد يرى نجاح الآخرين تهديداً له.
وللأسف تقوم بعض العائلات بحرمان أبنائها من أبسط حقوقهم العاطفية، إما بسبب الانشغال، أو كثرة الأبناء، أو لأسباب أخرى، متجاهلين أن التربية مسؤولية عاطفية طويلة الأمد. فحين يفوق عدد الأبناء قدرة الوالدين على منح كل طفل نصيبه من الاهتمام والمحبة بإنصاف، وترجح كفة الميزان تجاه طفل دون آخر، يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن يقتات على بقايا الحب، ويكبر معه هذا الهاجس: ما الذي ينقصني حتى أكون محبوباً مثل أخي؟ ومن هنا تولد المقارنات، وتتحول الغيرة إلى حسد، والحسد إلى غضب ونار مستعرة لا تنطفئ. ولأن الحب لا يكفي أن يسكن قلب الوالدين ما لم يشعر به الأبناء، فقد روي في السنة النبوية أن الأقرع بن حابس رأى النبي عليه الصلاة والسلام يقبّل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً، فقال النبي الكريم: «من لا يَرحم لا يُرحم». وهذا أبلغ دليل على أن التربية في جوهرها رحمة ومحبة تجاه الأبناء. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الأبوان ليس أن يحرما طفلهما من لعبة أو رحلة أو حياة مترفة، بل أن يحرماه من الحب والاهتمام، أو يجعلاه يشعر بأنه أقل استحقاقاً لهما من غيره.
فمن تربى على الحب والعدل والإنصاف سيظهر ذلك من خلال سلوكياته وتصرفاته مع أصدقائه، وفي عمله وزواجه وأبنائه، ومن نشأ مثقلاً بالنقص والغيرة والغضب سينزف جراحه على الآخرين، وربما يعيد إنتاجها في بيته، لتنتقل من جيل إلى آخر!
فالتربية ليست شأناً عائلياً خاصاً، بل هي أساس بناء المجتمع والنهوض بالأوطان، لأننا حين نربي طفلاً سوياً، فإننا نضيف إنساناً سيكون يوماً ما جزءاً من أخلاق المجتمع وشريكاً في مستقبل وطن.
لذلك، قبل أن تنجبوا طفلاً آخر، تذكروا أن حسن التربية ليس مسؤولية مؤقتة تنتهي حين يكبر، ولا مهمة تجاه الطفل وحده، بل مسؤولية أمام الله أولاً وأمام كل من سيقابله يوماً في هذه الحياة.