في صباح اليوم الأول من العام الدراسي، تتغير تفاصيل البيوت من جديد. تعود المنبهات إلى مواعيدها المبكرة، وتُفتح الحقائب التي انتظرت طويلاً، وتبدأ معها حكايات مختلفة، طفل يدخل الروضة للمرة الأولى، ولا تزال يده متشبثة بيد أمه، وتلميذ ينتظر لقاء أصدقائه، وطالب في المرحلة الثانوية يعرف أن عاماً مهماً ينتظره، وآخر يعبر بوابة الجامعة، وقد بدأ ينظر إلى مستقبله بصورة أكثر جدية. وبين هذه المراحل كلها تكبر الأحلام كما يكبر أصحابها، وتتغير المسؤوليات والطموحات، لكن البداية تظل فرصة تستحق أن نتوقف عندها. ففي كل عام نتمنى لأبنائنا النجاح والتفوق، ونحدثهم عن أهمية الدراسة والدرجات، وربما يكون الأهم هذه المرة أن نسأل أنفسنا نحن أيضاً: ماذا سنفعل منذ اليوم الأول حتى نساعدهم على الوصول إلى ما نتمناه لهم في نهاية العام؟
فالنجاح الدراسي لا يبدأ ليلة الاختبار، ولا تصنعه الأسابيع الأخيرة من الفصل الدراسي. يبدأ من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم داخل البيت؛ من نوم منتظم، ووقت هادئ للدراسة، وسؤال بسيط عن يومهم، ومتابعة للواجبات من دون أن نؤديها عنهم، وانتباه مبكر لأي تراجع قبل أن يتحول إلى مشكلة يصعب علاجها. والأهم من ذلك أن يجد الطالب في منزله بيئة آمنة نفسياً يستطيع أن يقول فيها: «لم أفهم»، أو «أحتاج إلى مساعدة»، أو حتى «أخفقت»، من دون أن يكون أول ما ينتظره هو اللوم والمقارنة بغيره. من السهل أن نصل إلى نهاية العام، ننظر إلى كشف الدرجات، ثم نبدأ في سؤال الطالب: لماذا قصّرت؟ لكن ربما يكون السؤال الأعدل: هل كنا معه منذ البداية؟ هل تابعنا من دون أن نخنقه بالمتابعة؟ هل وفرنا له المكان والوقت والتشجيع؟ وهل انتبهنا عندما بدأ يتعثر، أم انتظرنا حتى أخبرتنا الدرجات بذلك؟ الأسرة لا تستطيع أن تدرس بدلاً عن الطالب، لكنها بالتأكيد تستطيع أن تهيئ له البيئة التي تساعده على أن يؤدي دوره بنفسه.
ولا تكتمل هذه البيئة من دون السلامة، فهي تسبق الدراسة والدرجات أصلاً. حين يغادر أبناؤنا منازلهم كل صباح، فإننا نريدهم أن يصلوا إلى مدارسهم وجامعاتهم بأمان، وأن يعودوا إلينا كذلك. وفي البحرين، تجعلنا الحوادث التي شهدناها خلال سنوات مختلفة، ومنها نسيان أطفال داخل مركبات النقل، أكثر وعياً بأن بعض التفاصيل لا تحتمل السهو. التأكد من نزول جميع الأطفال، وتفقد الحافلة بعد انتهاء الرحلة، والالتزام بقواعد الطريق، ووجود إجراءات واضحة للمشرفين والسائقين والمدارس ليست أموراً ثانوية. وفي المقابل، يبدأ جزء من السلامة من البيت أيضاً؛ حين نعلم أبناءنا كيف يتصرفون في الحافلة والطريق، وممن يطلبون المساعدة إذا شعروا بالخطر. لا نريد أن ننتظر حادثاً حتى نتذكر أهمية هذه الإجراءات. نريد عاماً دراسياً بلا حوادث يمكن منعها، وبلا فقد، وبلا طفل يصبح ضحية لحظة نسيان. فقبل أن نسأل عن درجات أبنائنا، نريد ببساطة أن يعودوا إلينا سالمين.
ولذلك قد تكون بداية العام أفضل وقت لكي نعيد ترتيب توقعاتنا، نحن وأبناؤنا معاً. بدل أن نضع الهدف في نهاية الطريق، ثم نطالبهم بالوصول إليه وحدهم، يمكن أن نبدأ الرحلة معهم منذ يومها الأول؛ المدرسة تؤدي دورها، والمعلم يؤدي دوره، والطالب يتحمل مسؤوليته، والأسرة توفر له بيتاً يشعر فيه بالأمان والاستقرار والتشجيع، وتتابعه بما يكفي لتعرف متى يحتاج إلى المساعدة ومتى يحتاج إلى أن يعتمد على نفسه. فالدرجة التي نراها في نهاية العام لم تبدأ في ورقة الاختبار؛ سبقتها أشهر من النوم والدراسة والمحاولة والتشجيع والتعثر والنهوض من جديد.
لذلك، مع أول جرس لهذا العام، لنجعل أمنياتنا لأبنائنا أكبر من مجرد رقم في الشهادة: أن يتعلموا، وأن ينضجوا، وأن يجدوا من يقف معهم عندما يتعثرون، وأن يذهبوا كل صباح إلى مدارسهم وجامعاتهم آمنين، ثم يعودوا إلى بيوت آمنة تحتضنهم. وعندما تأتي نهاية العام، قبل أن نحاسبهم على ما حصدوه، لنتذكر أننا جميعاً كنا جزءاً؛ مما زُرع منذ البداية.