أمل محمد أمين

هناك فكرة شائعة في مجتمعاتنا تقول إن الوالد الجيد هو من يعطي أبناءه كل شيء، ويتنازل عن كل شيء، ويتحمل كل شيء، ويضع نفسه دائماً في آخر القائمة. يُقال للأب: اعمل أكثر من أجل أبنائك، وللأم: تحملي أكثر من أجلهم. ومع الوقت قد تتحول هذه الفكرة النبيلة إلى استنزاف دائم، وكأن حب الأبناء لا يكتمل إلا بإلغاء الذات.

نعم، الأبناء يستحقون الحب والرعاية والأمان والتعليم والاهتمام، لكنهم لا يحتاجون إلى أبوين يستهلكان نفسيهما حتى النهاية. فالأب إنسان له طاقة محدودة، والأم كذلك؛ لكل منهما جسد يتعب، وعقل يحتاج إلى الراحة، ومشاعر وأحلام واحتياجات لا ينبغي أن تختفي لمجرد أنهما أصبحا والدين.

المشكلة لا تكمن في التضحية الطبيعية التي تفرضها الأبوة والأمومة، وإنما عندما تتحول التضحية إلى أسلوب حياة، والمسؤولية إلى استنزاف، والعطاء إلى إلغاء للذات. فكون الأب قادراً على العمل ساعات إضافية لا يعني أنه ملزم بذلك دائمًا، وكون الأم قادرة على تلبية كل طلبات أبنائها لا يعني أن عليها أن تفعل ذلك على حساب صحتها وراحتها.

بل إن وضع الحدود قد يكون أحياناً أكثر نفعاً للأبناء من تلبية كل رغباتهم. فكلمة «لا» تعلم الطفل أن الموارد محدودة، وأن الرغبات ليست كلها حقوقاً، وأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل كل شيء أو يملك كل شيء.

ومن ناحية أخرى، لا يحتاج الأبناء بالضرورة إلى كل ما يستطيع الوالدان توفيره. قد يحصل الطفل على أفضل مدرسة وأحدث الأجهزة وأغلى الرحلات، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أب حاضر ذهنياً، وأم هادئة وقادرة على الاستماع. فالطفل لا يتأثر بما يحصل عليه فقط، بل يتعلم أيضاً من الجو النفسي داخل البيت، ومن الطريقة التي يرى بها والديه يتعاملان مع التعب والضغط والراحة.

ولهذا، لا ينبغي أن يقاس نجاح الأسرة بكمية ما تقدمه لأبنائها، بل بنوعية الحياة التي يعيشها الجميع. ومن الخطأ أن تحاول الأسرة الحفاظ على مستوى معيشي يفوق قدرتها بسبب المقارنة بالآخرين، فتدخل في دوامة من الديون والعمل الزائد والضغط المستمر. الأسرة الناجحة ليست التي تملك أكثر، وإنما التي تستطيع أن تعيش بسلام واستقرار.

كذلك، لا ينبغي أن يستهلك الأبناء كل طاقة العلاقة بين الزوجين. فالزوج والزوجة يحتاجان إلى وقت للحوار والراحة والخروج معًا؛ لأنهما لن يظلا منشغلين بالأبناء إلى الأبد. وسيأتي يوم يكبر فيه الأبناء ويستقلون، ويبقى الزوجان أمام حياة تحتاج إلى أن تكون بينهما علاقة تتجاوز إدارة المنزل والمسؤوليات.

الإفراط في العطاء قد يضر الأبناء أيضًا من صور الاستنزاف أيضًا أن يحاول الوالدان الحفاظ على مستوى معيشي لا يتناسب مع قدرتهما الحقيقية، بسبب المقارنة بالآخرين أو الخوف من أن يشعر الأبناء بالنقص. قد يستدين الأب حتى يوفر شيئًا معينًا، وقد تعمل الأم فوق طاقتها حتى لا يشعر الأبناء أنهم أقل من أقرانهم، وتدخل الأسرة في سباق لا ينتهي: مدرسة أفضل، هاتف أحدث، سيارة أغلى، سفر أكثر، مناسبات أكبر، ومنزل أوسع.

كما أن الطفل الذي يحصل على كل شيء قد لا يتعلم الانتظار، والذي لا يواجه حدودًا قد لا يتعلم المسؤولية، والذي يرى والديه يلبّيان كل رغباته مهما كانت التكلفة قد يعتقد أن الآخرين مطالبون دائمًا بخدمته

والأهم أن الأبناء يحتاجون إلى أن يروا والديهم يعيشان، لا أن يرياهم يضحون بأنفسهم باستمرار. أن يروا أبًا يعمل ثم يرتاح، وأمًا ترعى أسرتها وتعتني بنفسها، ووالدين يعرفان متى يقولان «نعم» ومتى يقولان «لا»، ويطلبان المساعدة عندما يحتاجان إليها. بهذه الطريقة يتعلم الأبناء أن الحب لا يعني إلغاء الذات، وأن العطاء يمكن أن يتعايش مع احترام الإنسان لحدوده.. لذلك، لا تنتظر الانهيار حتى تسمح لنفسك بالراحة.

علينا أن ندرك أن الأبوة والأمومة ليستا إلغاءً للحياة، وإنما إضافة عظيمة إليها. فالأب الجيد ليس من يعطي كل شيء، بل من يعطي ما يستطيع دون أن يدمر نفسه، والأم الجيدة ليست من تفعل كل شيء، بل من ترعى أبناءها، دون أن تلغي وجودها كإنسانة.

أحبوا أبناءكم كثيراً، لكن لا تنسوا أن تحبوا أنفسكم أيضاً. فالأبناء لا يحتاجون إلى والدين خارقين، بل إلى أبوين حقيقيين، متوازنين، قادرين على الحب والعطاء والاستمرار.