حسن الستري

  • - الحكومة طلبت إعادة النظر في المشروع رغم ما يستهدفه من حماية الطفل رقمياً
  • - غموض بالصياغة وعدم تحديد كاف للضوابط وتداخل مع الأطر القائمة
  • - مشروع القانون المقترح يخل بمبدأ التناسب ويمس بالخصوصية الرقمية
  • - المشروع لا يواكب الاتجاهات التشريعية الحديثة القائمة على المرونة والتدرج

من المنتظر أن يناقش مجلس النواب في الدور المقبل مشروع قانون شوري بشأن تعديل بعض أحكام قانون الطفل الصادر بالقانون رقم (37) لسنة 2012.

يتألف مشروع القانون المقترح، فضلاً عن ديباجته من مادتين، حيث تضمنت المادة الأولى إضافة باب جديد إلى قانون الطفل بعنوان «السلامة الرقمية للطفل»، ينظم تعريف المنصات الرقمية الخاضعة لأحكام القانون، ويقر حظر إنشاء حسابات للأطفال دون سن الخامسة عشرة، ويلزم المنصات بتطبيق آليات التحقق من العمر واتخاذ التدابير الملائمة للحماية وفق مستوى المخاطر المرتبطة بمحتواها وخدماتها.

كما ينظم استخدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة، بما يضمن أعلى مستويات الخصوصية والحماية، ويتيح للوالدين أو القائمين على رعاية الطفل مراقبة الاستخدام، وتحديد مدد الاستعمال، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من تعرض الطفل للمحتوى الضار، وتوفير آليات واضحة للإبلاغ عنه كما أسند مشروع القانون إصدار السياسات والمعايير والتعليمات التنظيمية المتعلقة بمزودي خدمات الإنترنت إلى هيئة تنظيم الاتصالات، مع إسناد صلاحية وضع لائحة الجزاءات وضوابط التحقق من العمر إلى جهة يصدر بتسميتها مرسوم.

أما المادة الثانية، فجاءت تنفيذية لبيان المنوط به تنفيذ أحكام القانون، وتحديد تاريخ العمل به ونشره في الجريدة الرسمية.

من جهتها، بينت الحكومة أن مشروع القانون المقترح يخل بمبدأ التناسب ويمس بالخصوصية الرقمية، إذ كفلت المادة (26) من دستور مملكة البحرين حرية المراسلات والاتصالات وسريتها بكافة صورها، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية، بما يسبغ الحماية الدستورية على عناصر الحياة الخاصة في المجال الرقمي. كما قررت المادة (31) من الدستور أن تنظيم الحقوق والحريات العامة لا يكون إلا بقانون أو بناءً عليه، وبما لا يمس جوهر الحق أو الحرية، وفي حدود الضرورة التي تقتضيها المصلحة العامة، وهو ما يكرس مبدأ التناسب باعتباره قيداً جوهرياً على سلطة المشرع. وأضافت أنه: «ولئن خلا الدستور من نص صريح على حماية البيانات الشخصية كحق مستقل، فإن هذه الحماية تستفاد ضمناً من كفالة سرية الاتصالات وصون الحياة الخاصة، باعتبار أن البيانات المتداولة في البيئة الرقمية تعد من عناصر الخصوصية، وذلك على نحو يتسق مع الاتجاهات القضائية الدستورية المقارنة التي توسع نطاق هذا الحق ليشمل البيانات الشخصية، وتخضع أي تدخل فيه لضرورة فعلية وضوابط دقيقة تحول دون التعسف. ومؤدى ذلك أن أي تنظيم تشريعي يجيز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها في البيئة الرقمية يتعين أن يلتزم بمبدأي الضرورة والتناسب، وأن يحدد نطاق البيانات محل المعالجة وأغراض استخدامها وضمانات حمايتها تحديداً منضبطاً». وبتطبيق ذلك على مشروع القانون المقترح، يتبين أن المادة (41) مكرراً (1) قررت حظراً مطلقاً لإنشاء حسابات للأطفال دون سن الخامسة عشرة دون تمييز بين الحالات أو مراعاة للبدائل التنظيمية الأقل تقييداً، كما أوجبت المادة (41) مكرراً (2) على المنصات الرقمية وضع آليات للتحقق من العمر دون بيان ماهية البيانات المسموح جمعها أو حدود معالجتها أو الضمانات الكفيلة بحمايتها، بما قد يفضي عملياً إلى جمع بيانات شخصية - قد تكون حساسة - في غياب إطار تشريعي منضبط. ومن ثم، فإن النصوص المقترحة - في صورتها الراهنة - لا تُحقق التوازن المأمول بين متطلبات حماية الطفل واعتبارات الخصوصية، كما تنطوي على قدر من عدم التناسب، بما قد يمس بالحماية المقررة للحياة الخاصة في البيئة الرقمية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في صياغتها على نحو يكفل اتساقها مع المبادئ العامة الحاكمة. وأشارت الحكومة إلى أن مشروع القانون المقترح يتسم بالغموض وعدم الانضباط التشريعي، إذ يقوم مبدأ سيادة القانون على خضوع الدولة، بكافة سلطاتها، لأحكام القانون، وكفالة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة، وفقاً للمادة (18) من الدستور، ويتكامل ذلك مع حكم المادة (31) منه، التي تقضي بأن يكون تنظيم الحقوق والحريات في حدود القانون، وبما لا يمس جوهرها، وفي إطار من الضرورة التي تقتضيها المصلحة العامة.ومؤدى ذلك أن تتسم القاعدة القانونية بالوضوح والانضباط، وأن تُصاغ في عبارات محددة لا تحتمل اللبس أو التوسع في التأويل، لا سيما إذا رتبت التزامات أو جزاءات، بما يكفل تمكين المخاطبين بها من الوقوف على مضمونها على نحو واضح، ويحول دون تفاوت أو تعسف في التطبيق. وبتطبيق ما تقدم على مشروع القانون المقترح، يتبين أن عدداً من أحكامه قد وردت بصياغة يعتريها قدر من الغموض وعدم التحديد الكافي للضوابط والاختصاصات، ما يعني أن مشروع القانون المقترح - في صورته المعروضة - يعتريه قدر من الغموض التشريعي وعدم التحديد الكافي للضوابط والاختصاصات، سواء من حيث اتساع بعض المصطلحات، أو عدم اكتمال الأطر التنظيمية، أو عدم وضوح توزيع الاختصاصات، بما قد ينعكس على استقرار القاعدة القانونية وقابلية تطبيقها، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر في أحكامه بما يكفل وضوحها واتساقها مع مقتضيات المشروعية. ولفتت الحكومة إلى أن مشروع القانون المقترح يتداخل مع الأطر التشريعية القائمة، ويضعف قابلية التطبيق، إذ يُعد مبدأ وحدة النظام القانوني وتكامل التشريعات من المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء، ومؤداه وجوب تجنب الازدواجية أو التداخل في الاختصاصات التنظيمية، بما يكفل استقرار المراكز القانونية، ويضمن اتساق القواعد الحاكمة، وحسن سير المرافق العامة بانتظام واضطراد. وفي هذا الإطار، يتبين أن الأهداف التي يسعى مشروع القانون المقترح إلى تحقيقها، والمتمثلة في تعزيز حماية الأطفال من المخاطر الرقمية وتحقيق التوازن بين متطلبات المنع والتنظيم، قد عالجتها المنظومة التشريعية القائمة في مملكة البحرين بصورة متكاملة، بما لا يستلزم إنشاء إطار تنظيمي مواز.

فقد أسند قانون تنظيم الاتصالات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (48) لسنة 2002 إلى هيئة تنظيم الاتصالات اختصاصات تنظيمية وفنية واسعة في مجال خدمات الاتصالات والإنترنت، بما في ذلك وضع الأنظمة والمعايير والتعليمات الكفيلة بحماية المستخدمين. كما أرست تشريعات جرائم تقنية المعلومات، وعلى الأخص القانون رقم (60) لسنة 2014، إطاراً جنائياً متكاملاً لحماية الأفراد من الجرائم المرتبطة بالبيئة الرقمية، بما في ذلك الجرائم الواقعة على أنظمة وبيانات تقنية المعلومات، والجرائم ذات الصلة بالمحتوى، والجرائم المرتبطة باستخدام وسائل تقنية المعلومات، فضلاً عن الإجراءات الخاصة بها. ويتكامل ذلك مع قوانين المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات، وعلى رأسها قانون الخطابات والمعاملات الإلكترونية رقم (54) لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم (30) لسنة 2018، بما يشكل في مجموعه منظومة تشريعية متكاملة لتنظيم الفضاء الرقمي وصون حقوق المستخدمين.

وعلاوة على ذلك كله، تبرز أهمية ترابط واتساق الأحكام مع ما ورد في القانون رقم (٤) لسنة 2021 بإصدار قانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة، كونه يشكل إطاراً تشريعياً عاماً لحماية الأطفال من مختلف صور المخاطر وسوء المعاملة، بما في ذلك ما قد يتعرضون له في نطاق البيئة الرقمية، الأمر الذي يحقق تكاملاً بين السياسات التشريعية ذات الصلة.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن بعض أحكام مشروع القانون المقترح تتقاطع مع اختصاصات منوطة بجهات تنظيمية قائمة بالفعل، سواء فيما يتعلق بالتزامات مزودي الخدمات التي ينهض بتنظيمها قانون تنظيم الاتصالات، أو بآليات جمع ومعالجة البيانات التي يحكمها قانون حماية البيانات الشخصية، فضلاً عن الأطر التنظيمية والتنفيذية المعمول بها لدى هيئة تنظيم الاتصالات، بما قد يترتب عليه ازدواج في الالتزامات وتعدد في المرجعيات التنظيمية، ويؤثر على وضوح الإطار القانوني واستقرار المراكز القانونية للمخاطبين به. ومن جانب آخر، فإن قابلية النصوص القانونية للتطبيق الفعلي تعد من المقومات الجوهرية لسلامة البناء التشريعي، وقد تبين من دراسة مشروع القانون المقترح أنه يثير إشكالات تتصل بضعف قابلية التطبيق، نتيجة ما ينطوي عليه من تداخل مع الأطر التشريعية والتنظيمية القائمة. وفي هذا الإطار، يلاحظ أن إخضاع «المنصات الموجهة المستخدمي المملكة» لالتزامات مباشرة، رغم كونها في الغالب كيانات أجنبية عابرة للحدود، يثير صعوبات عملية تتعلق بالاختصاص والإنفاذ، في ظل الطبيعة غير الإقليمية للخدمات الرقمية، بما قد يحد من فعالية التطبيق، ويجعل إنفاذه مرهونا بعوامل خارجة عن نطاق الولاية القانونية المباشرة، وذلك بخلاف الاتجاهات التشريعية المقارنة التي تميل إلى تبني نماذج تنظيمية قائمة على التعاون الدولي أو التنظيم التدريجي مع المنصات العالمية. كما يلاحظ أن تحديد سن (15) سنة كحد أدنى لإنشاء الحسابات على المنصات الرقمية قد يثير إشكالات عملية عند التطبيق، في ضوء اختلاف هذا الحد عن المعايير المعتمدة لدى العديد من المنصات العالمية، بما قد يؤدي إلى تعارض تنظيمي يحد من قابلية الامتثال والتنفيذ. ويكشف ذلك أن النهج القائم على الحظر المطلق وفرض التزامات مباشرة في بيئة رقمية عابرة للحدود قد لا يكون كافياً بذاته لتحقيق الأهداف المرجوة، بما يستدعي من حيث الملاءمة التشريعية تبني أدوات تنظيمية أكثر مرونة، تقوم على التكامل مع الأطر القائمة، وتوازن بين الحماية الفعالة ومتطلبات التطبيق العملي. وعليه، فإن مشروع القانون المقترح -في صورته المعروضة- يثير إشكالات تتعلق بالاتساق التشريعي وقابلية التطبيق بما يستلزم إعادة النظر في أحكامه بما يكفل انسجامه مع التشريعات النافذة، ويعزز من فعالية تطبيقه، دون الإخلال بالأهداف المبتغاة في حماية الطفل في البيئة الرقمية

ونوهت الحكومة إلى أن مشروع القانون المقترح لا يتسق مع الاتجاهات التشريعية الحديثة، إذ تحرص مملكة البحرين على مواءمة منظومتها التشريعية مع أفضل الممارسات الدولية، وبما يكفل مواكبة التطورات التقنية وتعزيز فعالية التنظيم القانوني، ولا سيما في المجالات ذات الطبيعة المتغيرة كالمجال الرقمي. وقد استقرت الاتجاهات التشريعية الحديثة، على تبني أطر تنظيمية مرنة تقوم على مزيج من الضوابط التشريعية العامة والآليات التنفيذية القابلة للتطوير، بما يحقق التوازن بين حماية الفئات الأولى بالرعاية، وعلى رأسها الطفل، وبين ضمان قابلية التطبيق ومواكبة التطور التقني. وفي هذا السياق، يتبين أن التشريعات الحديثة قد اتجهت إلى تنظيم السلامة الرقمية للأطفال من خلال نماذج تشريعية متدرجة ومرنة، لا تقوم على الحظر المطلق، وإنما على إقرار التزامات تنظيمية متناسبة مع مستوى المخاطر مقرونة بآليات تنفيذية تتيح للجهات المختصة تحديث الضوابط والمعايير بصورة مستمرة، وأشارت الحكومة إلى أن مشروع القانون المقترح، يتبين أن النهج الذي تبناه يختلف عن الاتجاهات التشريعية السائدة، إذ يقوم - في بعض جوانبه - على تقرير حظر مطلق لإنشاء الحسابات لفئة عمرية معينة، وفرض التزامات عامة غير متدرجة، مع إدراج بعض التفاصيل الفنية ضمن النص التشريعي ذاته، وهو ما قد يحد من مرونة التنظيم ويقلل من قدرته على التكيف مع التطورات التقنية المتسارعة. كما أن هذا النهج قد لا يحقق التوازن المطلوب بين الحماية الفعالة للطفل وبين قابلية التطبيق العملي، في ضوء الطبيعة المتغيرة للبيئة الرقمية، وما تقتضيه من أدوات تنظيمية مرنة وقابلة للتحديث المستمر، على نحو ما استقرت عليه التشريعات الحديثة. ومشروع القانون المقترح - في صورته الحالية - لا يتسق بالقدر الكافي مع الاتجاهات التشريعية الحديثة، التي تميل إلى تبني نماذج تنظيمية مرنة ومتدرجة، قائمة على إدارة المخاطر وتعزيز المسؤولية التنظيمية للمنصات، بما يستدعي إعادة النظر في منهج التنظيم المقترح، على نحو يحقق التوازن بين الحماية والمرونة، ويكفل توافقه مع أفضل الاتجاهات التشريعية الحديثة. وعليه، ترى الحكومة إعادة النظر في مشروع القانون المقترح - رغم ما يستهدفه من تعزيز حماية الطفل في البيئة الرقمية - نظراً لما يعتريه من ملاحظات، وما يشوبه من غموض في الصياغة وعدم تحديد كاف للضوابط والاختصاصات. كما يتداخل في نطاقه مع الأطر التشريعية والتنظيمية القائمة، بما قد يؤدي إلى ازدواجية في الالتزامات وصعوبات في التطبيق، ولا يواكب في منهجه التنظيمي الاتجاهات التشريعية الحديثة القائمة على المرونة والتدرج.