أجرى الحوار: زيد أيمن - أعده للنشر: سيد حسين القصاب


من طفولة كان 80 إلى 90% منها في البيئة الخارجية، إلى محطات مهنية امتدت بين العمل الأمني والإعلامي والأكاديمي والقطاعين العام والخاص، تشكلت تجربة رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني في مجلس الشورى، ورئيس مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية، ووزير الإعلام السابق، د. علي بن محمد الرميحي، عبر سنوات من التنقل بين مجالات مختلفة وتحمل مسؤوليات متباينة، وصولاً إلى العمل الوزاري والتشريعي، فيما يشغل اليوم عضوية مجلس الشورى ورئاسة مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية.

في حواره مع "الوطن"، في أولى حلقات بودكاست "مستنير" الذي تبثه الصحيفة عبر منصاتها الرقمية، يستعيد د. الرميحي شيئاً من ذكريات الطفولة والبدايات التي أسهمت في تشكيل شخصيته، ويتحدث عن الفارق بين جيل نشأ في بيئة مختلفة والأجيال الجديدة التي باتت التكنولوجيا جزءاً أساسياً من حياتها. كما يستعرض انتقالاته المهنية، مؤكداً أن الانتقال بين القطاعات قد يكون فرصة للتطور واكتساب الخبرة، وأن الكفاءات الحكومية قادرة على إدارة مؤسسات كبرى في القطاع الخاص.

وتحضر الرياضة في مسيرته بوصفها مجالاً أصبح صناعة واقتصاداً وثقافة وسياحة وأمناً قوميّاً، فيما يتناول تجربته الإعلامية وما شهدته من تطوير للبنية التحتية واستقطاب للكفاءات الشابة، إلى جانب رؤيته لمكانة الإعلام الرسمي في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتعدد مصادر المعلومات.

ويمتد الحوار إلى الهوية الوطنية واللغة ودور الأسرة والتربية والتعليم والإعلام في ترسيخها، فضلًا عن أهمية التربية الإعلامية في بناء جيل أكثر وعياً بوسائل التواصل والمحتوى المتداول. كما يناقش تأثير الذكاء الاصطناعي والتطورات التقنية، مؤكداً أهمية المصداقية والشفافية والسرعة في إدارة المشهد الإعلامي.

وفي ظل التحديات الإقليمية، يتوقف الحوار عند تجربة الإعلام في التعامل مع الاعتداءات الإيرانية، وأهمية إدارة الأزمات ومواجهة الروايات المضللة، والموازنة بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن الوطني. ويؤكد د. الرميحي أهمية تعزيز التنسيق الإعلامي الخليجي وتوحيد الجهود، معتبراً أن المواجهة تمتد من الميدان إلى الوعي والرواية.

كما يتناول مستقبل الصحافة الوطنية ودورها في الحفاظ على المصداقية، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الإعلامية والأكاديمية في إعداد جيل قادر على مواكبة التحولات. وبين ذكريات البدايات وأسئلة الحاضر، يقدم د. الرميحي قراءة لتجربة مهنية متعددة المحطات، ويضع "معركة الوعي" في صميم مسؤولية الإعلام تجاه المجتمع والوطن. وفي ما يلي نص الحوار:

بداية نريد أن نعود إلى النشأة والخطوات الأولى، أين كانت الولادة والنشأة، وما الصور الأولى التي مازلت تذكرها إلى اليوم؟

- بداية يسعدني جداً أن أكون موجوداً اليوم معكم في «الوطن»، وأشعر بالفخر أن أكون وسط هذه المجموعة من الشباب الذين يديرون اليوم المشهد الإعلامي بكل اقتدار.

بدايتي قريبة من مقر الصحيفة في أم الحصم، وكما هي بدايات معظم الأجيال، درست في مدارس أم الحصم ثم القضيبية والحورة، وفي الثانوي درست في المنامة الثانوية، وتخرجت من الثانوية عام 1986.

طفولتنا في ذاك الوقت تختلف عن الطفولة التي نراها اليوم، الأطفال اليوم يقضون معظم أوقاتهم داخل العالم الافتراضي، والآباء يحاولون أن يشجعوا أبناءهم على مشاهدة البيئة الخارجية، بينما طفولتنا كانت خلاف ذلك، إذ كنا نقضي من 80 إلى 90% من أوقاتنا في البيئة الخارجية، فطبعاً كل جيل يختلف عن الآخر، فكل جيل يواجه الكثير من التحديات، وكل جيل له طموحاته ولديه فرصه.

فترة انتقال الأجيال اليوم صارت أقصر، قبل كنا نرى كل 10 أو 15 سنة نشوء جيل جديد، أما اليوم نرى كل 5 سنوات جيلاً، وذلك نتيجة الثورة المعلوماتية والتكنولوجيا التي سرّعت من عملية انتقال الأجيال.

إذا عدنا إلى البيئة والتربية، أقول دائماً إننا اكتسبنا الكثير من البيئة التي عشنا فيها، البيئة هي التي تصهرك، ونحن ولله الحمد كنا من الجيل المحظوظ الذي شاهد البحرين في ذاك الزمن الجميل، وإن شاء الله القادم أجمل، ولكن في تلك الفترة كان الهدوء هو السمة السائدة، بعيداً عن هذا الكم الهائل من المعلومات الذي نراه اليوم، فلذلك كانت المتعة أكبر، وما زال عندي حنين كبير لتلك الفترة، ولا شك أن تلك الفترة كانت الفرص متاحة بشكل أكبر، ولله الحمد التوفيق من رب العالمين.

ذكرت أنكم في طفولتكم كنتم منفتحين أكثر في حياتكم الاجتماعية، اليوم اختلف الوضع بشكل واضح، فهل اللوم على الواقع الافتراضي الحالي، أو ربما تغير المجتمع أيضاً؟ اليوم ما هو رأيك في هذا الموضوع؟

-لا أريد أن أردد اللي دائماً ما نسمعه بأن في تلك الفترة كانت المجتمعات منفتحة على بعض، طبيعة الحياة كانت أسهل، اليوم الحياة تعقدت، قبل كان كل من يعيش في المنطقة أو الفريج معروفاً، يعني الأسر التي فيه معروفة، وعادة تكون هناك صلة قرابة ونسب بينها، لأن البيئة شبه مغلقة، والدائرة كانت أصغر.

وكان الشخص أو الطفل يتربى بين البيوت هذه كلها، وحتى لو لم تكن هناك صلة قرابة، كان الجار بحكم العم، فكانت العلاقة بين الأسر هي التي سهلت على الأطفال العيش في أجواء من الراحة النفسية، حيث كان الطفل يطلع ويذهب، وهو ما يوفر شعوراً بالأمان والراحة النفسية للأسر، اليوم طبعاً اختلف الوضع.

كما أن الحياة أصبحت أسرع، ارتباطات أفراد الأسرة نفسهم، فمع نهاية الدوام تجد كل الأهالي موجودين في المنطقة، اليوم العمل لا ينتهي، أما قبل كان الجميع يحرص على العودة إلى بيته بعد انتهاء الدوام، وكانت المجالس مفتوحة من العصر.

رتم الحياة كان بطيئاً، الزمن كان يمر ببطء، كل شيء بطيء فيه، الوضع اختلف اليوم، عالم سريع، اليوم نرى الشخص يداوم إلى الساعة 11 قبل منتصف الليل، وبعضهم يواصل العمل حتى الفجر، وهذه الأمور لم تكن موجودة من قبل.

بعد انتهاء مرحلة المدرسة تأتي الخيارات، أين ستدرس؟ وما التخصص؟ ماذا كانت الخيارات المطروحة أمامك؟ وهل الأهل كان لهم تأثير في هذا الخيار؟

-اليوم أغلب الشباب في المرحلة الثانوية عندما يسألوني ويطلبون نصيحتي، أجد أن العالم الافتراضي يشجعهم، فكل يوم تفتح السوشيال ميديا يطلع لك شخص يقول هذه إن الوظائف التي يمكن تحصلها مستقبلاً، ويقدمون النصائح بشأن التخصصات المطلوبة.

أنا أقول طبعاً في النهاية إن الإنسان ليس له فضل على نفسه، الفضل لله وحده، إذا تسألني عن التخصصات في فترتنا، التي كانت تختلف طبعاً عن اليوم، حيث كان كل خريج الثانوية تعرض عليه وظيفة، اليوم لا يوجد مثل هذا الشيء، الوضع اختلف، وليس في مملكة البحرين فقط، بل في العالم كله.

فأنا ربما كانت عندي اهتمامات أدبية أكثر، إضافة إلى أنني اخترت تخصصاً تجارياً، فالتحقت بجامعة البحرين بعد الثانوية، وفي الجامعة لم أكمل سوى سنة واحدة بعدها خرجت، لأنني لم أجد نفسي في هذا التخصص، فالتحقت بوزارة الداخلية، والتحقت بدورة، وأكملت دراستي الأكاديمية في الكويت.

البعض لا يعرف طبيعة عمل ضابط الشرطة، وكيفية العمل، ما هي مسؤولية ضابط الشرطة؟

- اليوم العمل الأمني يختلف اختلاف كلياً عن السابق، اليوم الأجهزة الأمنية متطورة جداً، وازداد ارتباطها بالإعلام، بينما كانت الأجهزة الأمنية في العالم حتى فترة قريبة دائماً في حاجز نفسي يفصلها عن المجتمع، ولم تكن الأجهزة الأمنية تركز على التواصل الإعلامي، اليوم الأجهزة الأمنية تتواصل إعلامياً أكثر من الأجهزة الأخرى، عندها حسابات على السوشيال ميديا بشكل عام، على تويتر، على إنستغرام، موجودين باستمرار، ينقلون الأحداث "لايف"، لديها قدر كبير من الشفافية، ولديها أجهزة متخصصة بالجرائم الإلكترونية.

في ذاك الزمن الوضع كان مختلفاً، كانت الأمور أهدأ إلى حد بعيد، حتى التقسيمات الأمنية في المناطق كان عددها قليلاً جداً، اليوم عندك المحافظات، اختلف الوضع طبعاً، وشخصياً كانت طبيعة عملي إدارية، وكنت أعمل في إدارة التدريب، وكنت مسؤولاً عن برامج البعثات والبرامج والدورات الإدارية والعسكرية.

عندما نسأل عن طبيعة العمل الأمني، هل يتيح للشخص الالتحاق بالعمل المدني لاحقاً، أو عندما يدخل الشخص المجال الأمني يصعب عليه التعامل مع المجتمع المدني؟

- اليوم أغلب الأجهزة الأمنية لديها كفاءات في التخصصات كلها، في الطب، والهندسة، والإعلام، والقانون، والاقتصاد، والمحاسبة، والمالية، والكيمياء، ولا يوجد ما يمنع أي الشخص العامل في المجال الأمني من الانخراط في المجتمع المدني.

القطاع الأمني اليوم يغطي المجتمع كله، وأي شخص يعمل في هذه القطاعات لديه الفرصة أن يخدم في قطاعات أخرى، وهذا الأمر أصبح طبيعياً جداً.

بعد عام 2000، انتقلت إلى العمل كمدير في المؤسسة العامة للشباب والرياضة، خبرنا عن هذه الانتقالة، كيف حدثت؟ وكيف كانت التجربة؟

- في عام 2000 تم تعيين الشيخ فواز بن محمد آل خليفة رئيساً للمؤسسة العامة للشباب والرياضة، وطلب مني الشيخ فواز أن ألتحق بالمؤسسة العامة للشباب والرياضة، وتم انتدابي لمدة سنة، وبعد تلك السنة تم تعييني مديراً للتخطيط والمتابعة في المؤسسة العامة للشباب والرياضة.

وهذه كانت بالنسبة لي نقلة نوعية على المستوى الشخصي، لأنها كانت تجربة جديدة، ولأني رياضي، ومارست الرياضة ولعبة كرة قدم ومارست لعب الكرة الطائرة، فكنت قريباً جداً من هذا المجتمع الجميل الذي ما زلت حتى اليوم على تواصل معه.

كيف كان المجتمع الرياضي والمجتمع الشبابي في ذاك الوقت؟ بالمقارنة مع يومنا هذا؟

- أكيد يوجد اختلاف كبير بين القطاع الرياضي سابقاً ووضعه اليوم، الرياضة تجمع المجتمع كله، كل فئات المجتمع، أنا دائماً أقول إن الرياضة أصبحت أمناً قومياً، العالم كله يشاهد كأس العالم، ورأينا المجتمع البحريني كله يتكلم عن كأس العالم.

الرياضة اليوم أصبحت صناعة، أصبحت اقتصاداً، أصبحت ثقافة، أصبحت سياحة، رياضة لم تعد الرياضة التي يمارسها الشخص من أجل الترفيه أو الصحة كما كانت في تلك الفترة.

طبعاً في شبابنا كانت لدينا أفكار كثيرة، والحقيقة تحققت الكثير من النجاحات، الشيخ فواز محمد كان شخصية قيادية شابة طموحة، عنده الكثير من الأفكار، ومع الفريق الذي معه استطعنا أن نحقق الكثير من النتائج، وبالنسبة لي شخصياً كانت تلك الفترة ممتعة جداً.

كيف انتقلت من القطاع العام إلى الخاص، وتحديداً إلى القطاع المصرفي؟

- دائماً ما يقال عن الشخص الذي يتنقل كل فترة من مكان إلى آخر، خصوصاً إذا لم تعرف خلفية هذا الانتقال وأسبابه، أن لديه مشكلة ما، لماذا يترك مكانه؟ لماذا ليس لديه استقرار؟ في حين أنك لو نظرت إلى الموضوع من جانب آخر، تجد أنها فرص.

كنت أقول دائماً: إذا نجحت سيقولون عنك شجاع وجريء، وإذا فشلت سيقولون إنك متهور، وكان من المفترض ألا تترك موقعك، لكنها فرص، والحياة فرص، وبمجرد أني حصلت فرصة الانتقال إلى مكان آخر، رأيتها فرصة مناسبة بالنسبة لي، فأخذتها.

أصبحت مديراً لتوظيف الاستثمار، كانت طبيعة العمل مبنية على طبيعة علاقاتك الشخصية، تعاملت مع عدد أكبر من المستثمرين للمساهمة في مشاريع البنك نفسه، فكنت أقضي ثلاث ليال في الكويت، ونصف الأسبوع في البحرين.

لكن الكثير من الناس يتخوفون من الانتقال من مجال إلى آخر، هل تعتقد أن هذا الخوف طبيعي؟

- طبيعي، من حق أي شخص أن يتردد، وهذا التردد لا يعني أن لديك مشكلة، بالعكس، التردد يمكن يكون صحياً 100%، لأنك تراجع فكرتك، يعني وما خاب من استشار، تسأل، تبحث في استقرار المؤسسة التي أنت بصدد الانتقال إليها، وإمكانياتها، وهل تستطيع أن تستمر معها عدداً من السنوات، وتجعل لنفسك خط رجعة، بمعنى أن تضع لنفسك خطة بديلة، وأين تذهب في حال لم تتوفق في ذلك المكان.

لكن لا ينبغي أن نبالغ، أنا دائماً أقول لا تبالغ في التخطيط، لأن في النهاية ما هو مكتوب لك سيحدث، يعني لا تكن متهوراً في قراراتك، لكن عليك أن تراجع قراراتك.

ذكرت مسألة التخطيط، فمن المهم أن يضع الإنسان لنفسه خط رجعة، فهل هذا لا يتعارض مع التخطيط الزائد؟

- الإنسان على سبيل المثال، ممكن أن يتقاعد من عمله، يأخذ حقوقه ويدخل في مشروع تجاري، هذه مخاطرة طبعاً، لكن أنت عندما تقول: أنا سأخرج من هذا المكان، لكن سأنتقل إلى مكان آخر مردوده أفضل بنسبة 100%، وثاني شيء يكون لديك خطط بديلة في حال لم تنجح في هذا المكان، فهذا أمر مهم.

بعد خمس سنوات في القطاع المصرفي، تم تعيينك مستشاراً في هيئة شؤون الإعلام، ومن ثم صدر المرسوم الملكي بتعيينك رئيساً لهيئة شؤون الإعلام بدرجة وكيل وزارة، وهذه الانتقالة أعادتك مرة أخرى من القطاع الخاص إلى القطاع العام، حدثنا عن هذه الانتقالة، ماذا حدث؟

- الذي حدث أنني في عام 2010 قضيت تقريباً خمس سنوات في القطاع المصرفي، وكانت طبيعة العمل في الحقيقة متعبة نوعاً ما، لأن فيها عدم استقرار وسفر دائم، تقريباً ثمان مرات في الشهر أركب الطائرة، فالعملية كانت مرهقة نوعاً ما.

هل القطاع الخاص أكثر إرهاقاً؟

- عملية المقارنة بين القطاع الخاص والقطاع العام لا يمكن أن تحصرها في تجربة واحدة، أنا لدي قناعة تامة بأن الموضوع لا يتعلق بطبيعة القطاع بقدر ما يتعلق بالشخص نفسه، هناك أشخاص في القطاع العام يتفوقون بدرجة كبيرة على العاملين في القطاع الخاص، والعكس صحيح، فلذلك لا يمكن أن تقيس وتقول إن القطاع الخاص يحتاج إلى كفاءة معينة فقط، هذا غير صحيح.

دائماً يقال إن الكفاءات في القطاع الخاص أفضل، ولذلك يجب انتدابهم للعمل في الحكومة.

- غير صحيح، أنا أقول لا تقيس على الشخص نفسه، هي طبيعة المؤسسة أحياناً تعطي هذا الانطباع بأن الكفاءات متوفرة، وفعلاً أحياناً ترى الأمر صحيحاً، الكفاءات الموجودة في القطاع الخاص ممتازة، لكن هذا لا يعني أن القطاع العام يفتقد الكفاءات، هذا غير صحيح.

أنا من تجربتي، رأيت في القطاع الحكومي كفاءات تدير أكبر المؤسسات في القطاع الخاص بكفاءة عالية.

بعد ذلك عُرض عليك العمل والعودة إلى الحكومة؟

- نعم، عُرض عليّ العمل والعودة إلى الحكومة، فرحبت، وبالنسبة لي كانت فرصة مناسبة جداً، ورجعت كمستشار للتخطيط الاستراتيجي في وزارة الإعلام تقريباً لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، وبعدها تعينت رئيساً لهيئة شؤون الإعلام بدرجة وكيل وزارة.

ماذا كانت مسؤولياتك كرئيس لهيئة شؤون الإعلام،؟ وما الفرق بين عمل الهيئة في ذلك الوقت وعمل الوزارة؟

- باختصار أقول لك، في الوقت الذي عملت به في وزارة الإعلام، قدمت مقترحاً إلى مجلس الوزراء بإلغاء هيئة الإذاعة والتلفزيون وهيئة شؤون الإعلام، ووافق مجلس الوزراء وتم إلغائهما.

لماذا قدمت هذا المقترح، مع العلم أنها موجودة في عدد من الدول الناجحة؟

- قدمته لأن العملية كانت نظرياً صحيحة، لكن عملياً لم تطبق الحكمة من هذا الموضوع وهي أن تكون هناك استقلالية تامة، فإذا كانت هذه الاستقلالية غير موجودة، فأعتقد أن وجودها سوف يحملك عبئاً، فلماذا تبقي عليها وهي لا تؤدي الغرض؟

الفكرة كانت جداً بسيطة، إذا كانت مستقلة 100% إدارياً ومالياً عن الوزارة، فهنا يمكن أن تنظر إليها كهيئة، أما إذا كان الأمر فقط على الورق، عندها ستمثل عبئاً إضافياً، فقدمنا مقترح إلغائهما، والحمد لله تم إلغائهما، وعادت الوزارة بشكل طبيعي.

في عام 2016 صدر المرسوم الملكي بتعيينكم وزيراً لشؤون الإعلام، وشغلت المنصب من 2016 إلى 2022، حدثني عن الدور الوزاري، ماذا يقوم به الوزير؟ وكيف كان أول يوم لك في الوزارة كوزير؟

- غادرت وزارة الإعلام في عام 2015، لأنني انتقلت إلى الديوان الملكي كوكيل للاتصال والمعلومات، وبعد 11 شهراً عدت إلى الوزارة في 2016، وعندما عدت، كان الأمر بالنسبة لي كأنني غبت عن الوزارة يوماً واحداً، لأن 11 شهراً فترة قصيرة جداً، فلم يكن هنالك تغير في الوضع، نفس الفريق الموجود، فمن أول يوم اشتغلت وكأني كنت مداوماً بالأمس.

لكن الحقيقة أن الفريق الذي كان موجوداً ساعدني كثيراً في إنجاز بعض المهمات التي كانت لدينا.

ماذا كنتم تطمحون في الوزارة عندما صدر قرار تعيينك بموجب المرسوم السامي؟ وماذا كنتم تطمحون إلى تحقيقه في الوزارة؟

- رأيت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً للمرحوم محمد السنعوسي، وزير الإعلام الكويتي، حيث كان يقول إن أي مسؤول في الإعلام من المفترض ألا تكون لديه ديوانية؛ لأنه سيتعب وهو يسمع الكثير.

نحن دخلنا في فترة العالم الافتراضي أو فترة وسائل التواصل الاجتماعي، وعملية إرضاء الرأي العام أو الجمهور أصبحت صعبة، نظراً لاختلاف الأذواق، والدليل أننا اليوم في 2026، تدخل وتشاهد وسائل التواصل الاجتماعي وتشاهد طبيعة المواد الإعلامية الموجودة.

فأنا أقول كان الله في عون الذين يعملون اليوم في المؤسسات الرسمية، لأن عليهم الكثير من القيود، المؤسسة الرسمية تختلف عن وسائل التواصل الاجتماعي.

في وسائل التواصل الاجتماعي لا يوجد القيود نفسها، كل مؤسسة تتحمل مسؤولياتها، أو أفراد يتحملون مسؤولية المادة التي يقدمونها، وهناك قوانين طبعاً تحكمهم، لكن لا توجد القيود الموجودة في المؤسسة الحكومية.

هناك رقابة ذاتية تربطها كثير من العادات والتقاليد والقوانين وعلاقاتك مع الدول الأخرى والمجتمع نفسه، فهذه القيود كلها تجعل المسؤول عن تطوير هذا الجهاز نوعاً ما مقيداً.

إذا نتكلم عن الفترة من 2016 إلى 2022، كان تركيزنا ينصب أول شيء على البنية التحتية في الوزارة، ولله الحمد وفقنا في تغيير كل الأجهزة الموجودة، والاستديوهات والمباني، تقريباً أكثر من سبعة مبانٍ تم بناؤها في تلك الفترة، وكذلك القرية التراثية.

تم تقديم كل التسهيلات للشباب الذين وظفناهم، تقريباً في حدود 150 شاباً وشابة، وكانوا كلهم خريجي إعلام، وهذه بالنسبة لنا كانت نقلة، لأنه لم يكن هناك متخصصون في الإعلام في تلك الفترة.

العاملون في وزارة الإعلام قبل السنوات التي سبقت ذلك لم يكونوا متخصصين في الإعلام، لأنه لم تكن هناك كلية إعلام في الفترات السابقة، إذا نتحدث عن 20 سنة قبل، كان تخصص بعضهم في اللغة العربية، وبعضهم في النقد، لكننا وظفنا هذا العدد الكبير من خريجي الإعلام.

وهذا لا يعني أننا كنا فقط نحتاج المتخصصين في الإعلام، لأن قدر الإعلام أن التخصصات كلها تقدر أن تمارسه، يعني لا يقتصر فقط على المتخصص، أو أن خريج الإعلام هو الوحيد الذي يقدر أن يمارس الإعلام، وأنا كنت أقول دائماً إن أغلب الذين نجحوا في الإعلام لم يكونوا متخصصين.

ركزنا على هذا الجانب، وهو الكفاءات الشابة التي تقدر أن تدير المشهد، كما أن مقياس نجاحك كان من خلال عدد المشاهدات، وأنتجنا مجموعة من البرامج لوسائل التواصل الاجتماعي، كان في تلك الفترة برنامج «كفو» وبرامج أخرى نجحت.

بعد ذلك كنا حريصين على إنتاج بعض البرامج التي يرى المشاهد البحريني نفسه فيها، وفي تلك الفترة قدرنا أن نستقطب أكبر عدد ممكن من المتحدثين من جميع القطاعات إلى التلفاز.

لكن اليوم بالنسبة إلى التلفاز من الصعب أن تلزم المشاهد، وهذه تحديات تواجه كل التلفازات الرسمية أو حتى الخاصة في العالم كله، خصوصاً بعد وجود «نتفليكس» وغيرها من البرامج.

هذا يمكن يجرنا إلى سؤال دكتور، كيف تتعاملون مع ردود أفعال الجمهور، خصوصاً أن الجمهور كثيراً ما ينتقد التلفاز البحريني أو التلفازات الرسمية، سواء من ناحية المحتوى أو غيره، لكنك ذكرت أن التلفاز الرسمي ملزم بقواعد وضوابط معينة، فكيف تتعاملون مع هذا الموضوع؟

- لا تستطيع أن ترد على الكل، ولا تحاول إرضاء الجميع، لأنك لن ترضي الجميع، هي مسألة أذواق، أنت تدخل في مسألة ذوق، فعندما تختار مادة معينة للعرض على التلفاز، تجد كل المحاذير التي تحدثت عنها، لكن هل تعجبك أو لا تعجبك؟ هذه، مثل ما قلت لك، تختلف فيها الأذواق.

يعني اليوم كمية المواد الموجودة في المحطات، أو في المنصات التي تقدم برامج تلفزيونية كبيرة، يعني أنت تختار، أما في ذلك الزمن كان التلفاز الوسيلة الوحيدة المتاحة للمشاهدة، اليوم لا أحد ينتظر، متى يعرض هذا المسلسل؟ أو متى يُعرض هذا البرنامج؟ ثم ينتظر ليوم آخر، كل شخص بات في إمكانه أن يحدد الوقت الذي يشاهد فيه برامجه المفضلة.

هل ترى أن التلفاز الرسمي فقد جزءاً من قيمته بحكم تنوع المنصات الموجودة اليوم؟

- لا، وإنما زادت التحديات، والتحديات صعبة، وفي الحقيقة أنا متضامن مع القائمين على التلفاز الرسمي 100%، لأني أشعر بالوضع، الذي اختلف في العالم كله.

ذكرت لي أول يوم في الوزارة، لكن ماذا عن آخر يوم في الوزارة؟ كيف كان؟

- من الطبيعي أن يرتبط الشخص بالمكان الذي يعمل فيه، ولاوأنا عملت تقريباً 12 سنة في وزارة الإعلام، وخلال هذه الفترة تكونت الكثير من العلاقات في إطار العمل، عملت مع كثير من الزملاء، يعني أصبحنا أسرة واحدة، لكن لله الحمد التواصل معهم مستمر إلى اليوم.

هذه سنة الحياة، لديك فترة معينة تنجز فيها، وتكون حريصاً عليها من أول يوم.

أذكر عملية التغيير، دخلنا في شهر ثلاثة وعملنا التغيير، تغيير الشاشة كلها من شعار تلفاز البحرين إلى البرامج إلى الاستديوهات، خلال ثمانية أشهر فقط.

لكن هذه الأشهر بالنسبة لي كانت طويلة، لأننا أردنا أن تنجز العملية بسرعة، والحمد لله، خلال فترة معينة حاولنا قدر استطاعتنا أن نترك شيئاً من البصمة التي نخدم فيها البحرين، وإن شاء الله قدرنا نقدم شيئاً، أولاً وأخيراً، يرضي ضمائرنا، بأننا مالم نقصر في عملنا.

تذكر موضوع الهوية الوطنية في لقاءاتك ومحاضراتك، وأسألك في البداية: من أين جاء هذا الاهتمام؟ وما مدى أهمية هذا الموضوع بالنسبة لك؟

- اليوم لو تنقلت بين وسائل التواصل الاجتماعي وبين كل ما يكتب عن موضوع الهوية، ترى منظوراً ضيقاً حول هذا الموضوع، البعض اليوم عندما تقول له الهوية الوطنية، يأتي في باله مباشرة الملابس، هذه حدود نظرته للهوية، يراها مجرد شكل، وبعضهم يعتقد أن الهوية هي في المحتوى الذي يقدمه.

أنا أعتقد أولاً أن الهوية هي مشروع دولة استراتيجي كبير، يجب أن توضع الخطط لحماية الهوية الوطنية، وعندما تتكلم عن اللغة العربية والتاريخ والذاكرة الوطنية والأسرة البحرينية؟ أنت تتكلم عن مجتمع كامل.

حتى عندما تأتي إلى اللغة، تتكلم عن العربية وعن اللهجة البحرينية، وعندما تأتي إلى الذاكرة الوطنية، تتكلم عن التاريخ في كل نواحيه، تاريخ البحرين في مجال التعليم، في مجال الصحة، في مجال الصناعة، هذه كلها جزء من هويتك التي يجب أن توثقها وتعززها عند النشء.

لكي يكون لديهم انتماء، ومن خلال هذا الانتماء تتم ممارسته في سلوك نسميه الولاء، فموضوع الهوية أكبر مما يعتقد كثير من الناس.

ولنأخذها مثالاً، عندما نتحدث عن اليابان وما فيها من انضباط واهتمامهم بتدريس مادة الأخلاق، أنت تتكلم عن جزء من الهوية اليابانية، لكن لا أحد يقول مثلاً إن اليابانيين اهتموا باللغة اليابانية، بحيث إنهم وحدوا كل الأطياف على لغة واحدة، واهتموا بلغتهم اليابانية.

وعندما تقول: دعنا نهتم باللغة العربية، لا أحد يعيرك الاهتمام الكافي بالموضوع.

عندما نتحدث موضوع الأخلاق، هذه جزء من هويتنا، فيجب التأكيد على تعليم أبنائنا المبادئ الأخلاقية، نحن أمة الأخلاق، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، نحن أمة الأخلاق، نحن الذين يجب أن نهتم بهذا الموضوع.

لكن البعض يضع الموضوع إطار اللهجة البحرينية، نحن نتكلم عن الأخلاق بلهجتنا المحلية، احترام الصغير للكبير، هذه جزء من الأخلاقيات التي ينبغي أن نتمسك فيها، لأنها جزء من هويتنا.

أنا غير متخصص في موضوع الهوية، ولكن اهتمامي بموضوع الهوية يأتي من منطلق نه لا يمكن تقدم نفسك للمجتمعات الأخرى وأنت هويتك غير واضحة، خاصة في ظل الانفتاح الموجود من خلال النوافذ الكثيرة الموجودة التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي.

الجيل القادم يتلقى الكثير من الأمور من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يتلقاها من بيئته، لأنه هو يعيش في بيئة مغلقة.

ذكرت أن موضوع الهوية الوطنية مشروع دولة، وبما أنك توليت حقيبة الإعلام،، كيف يمكن للمسؤول يأن ترجم مسألة الهوية الوطنية على أرض الواقع؟ ما الخطوات التي يفترض أن يتخذها على المستوى الرسمي؟

- أهم شيء أولاً عدم التهاون في موضوع اللغة العربية، وعدم التهاون في موضوع اللهجة واستخدام بعض المصطلحات الدخيلة علينا، وعدم التهاون في موضوع اللبس، والمحتوى نفسه، المواضيع التي يختارها، لا بد أن تكون مرتبطة بمجتمعك بشكل صحيح.

وفي الحقيقة الهوية هي عملية الإلزام بها صعبة، لكن تأصيل هذا الموضوع يحتاج إلى مجهود، بداية من التربية والتعليم، من المدرسة، وبداية من دور الإعلام الرسمي والإعلام الخاص في تعزيز وتأصيل هذا الموضوع.

لكن في النهاية، من يلتزم بهذه الأمور هو الذي يمثلك تمثيلاً رسمياً، هذا لا يعني أننا يجب أن نكون ملتزمين 100% بلبسنا في حياتنا الخاصة، لا، لا نتكلم عن هذا الموضوع، نحن نقول إنه عندما يكون لك دور في تمثيل البحرين يجب أن تلتزم بهذا الموضوع.

في المجال الإعلامي، يمكن البعض يتساءل،، بعض الإعلاميين والإعلاميات لديهم تساؤلات عن هذا الموضوع، هل يجب مثلاً وضع ضوابط أو قواعد الالتزام بالهوية؟

- نعم، لدينا برنامج اسمه «سفراء الوطن» في معهد البحرين للتنمية السياسية، فعندما يسافر الشباب، نعقد لهم قبل السفر دورة في المعهد.

فأنا دائماً أوكد على أمرين، أقول: أنت معروف باسم فلان الفلاني، لكن عندما تسافر نقول عنك فلان البحريني، فأنت تحمل اسم البحرين.

فعملية أنك تمثل البحرين، تفرض عليك الالتزام بكثير من الأمور، في طريقة حديثك، في لباسك، في الهوية، ما هي الهوية؟ أنت من؟ دعني أعرفك أنك بحريني من خلال هذه الأمور البسيطة.

ذكرت مسألة أو أموراً تتعلق بتعزيز الهوية، لكن ما هي التحديات التي تواجه الهوية الوطنية في البحرين، بالذات تعزيز مفاهيم الهوية عند الجيل الحالي؟

- التحديات كبيرة، وفيما يتعلق بموضوع اللغة، اليوم بعض الدول أصدرت قوانين لحماية اللغة العربية، ودول كثيرة في الخليج والدول العربية بدأت تأخذ خطوات كبيرة في هذا الموضوع.

موضوع اللغة العربية اليوم، نحن أمة القرآن، للأسف الشديد البعض عندما يتكلم في موضوع اللغة يتكلم باستخفاف، يعني يحاول يستذكر كلمة ويقول: كيف يقولونها بالعربية؟ ما يعرف الكلمة طبعاً.

البعض يراها ثقافة دكتور؟

- لا، دعنا نرى اليوم الدول التي نجحت في الصناعات، ترى كل نجاحاتها بلغتها الأم، ألمانيا والصين واليابان وفرنسا، كلها بلغتها الأم.

الحديث بلغة أخرى شيء ممتاز جداً، بالعكس، تعلم، بدل اللغة لغتين، لكن التهاون في لغتك هذا تخلف، تخلف كبير، يعني أنت تستهين بلغتك، العالم الآخر لن يحترمك.

هذه النقطة المتعلقة باللغة الأم التي تفضلت بها تجرنا إلى موضوع آخر مرتبط بهويتنا العربية والخليجية، نلاحظ اليوم في المقابلات والبرامج الحوارية وغيرها بشكل عام، وحتى أحياناً في بعض الأمور الرسمية، استخدام اللهجة البيضاء وتجنب الفصحى التقليدية، خصوصاً أنك من جيل تشكل وعيه الإعلامي في حقبة كانت تركز على الفصحى إلى حد بعيد، واليوم صار الموضوع أكثر مرونة، فهل ترى أن هذا الشيء تراجعاً عن الهوية، أو أنه تماشي مع الواقع؟

اللهجة هي جزء من هويتنا، لهجتنا لا يمكن أن تأتي اليوم وتغيرها إلى اللغة العربية الفصحى، لا أبداً، لكن الغريب في الموضوع أنك ممكن تستخدم مصطلحاً أو مصطلحين، لكن عندما تصل إلى أن 30 إلى 40% من حديثك بلغة غير لغتك، ويكون عذرك أنك غير قادر على إيصال المعلومة، لا، هنا لديك خلل، وخلل كبير.

ذكرت سابقاً دكتور أن التنظيم القانوني المباشر لهذا الموضوع شبه مستحيل أو مستحيل، فما البديل؟ هل الاعتماد على التوعية المجتمعية أو التوعية الإعلامية المجتمعية، أم أن هناك أدوات أخرى لم تستخدم؟

- طرحنا قبل فترة موضوع تدريس مادة التربية الإعلامية، يعني البعض شافها نوعاً من التنظير، وقال: كيف ستدرسونهم تربية إعلامية؟ في البدايات كنا نرى صعبة، أما اليوم أعتقد أنها مسألة مهمة جداً، على الأقل تخلق عند الشباب وحتى الأطفال شيئاً من الوعي، كيف تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي.

حتى التعليق الذي يكتبه، ممكن بعد فترة يراه ويقول: أنا كيف كتبت هذا التعليق؟ فأنت تقول له تبعات هذا التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، يجب أن تكون حريصاً في كل شيء، في كتابتك، في تعليقك، في حدودك، في تعاملك مع وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام.

أنت تريد أن تخلق شيئاً من الوعي من خلال تثقيفهم، وليس بالضرورة أن تكون مادة إلزامية بقدر ما تكون مادة تثقيفية تطرح على الطلبة في كيفية التعامل مع وسائل الإعلام.

كان يقال لنا: أنتم في الدول العربية عندكم قانون صحافة، في حين أن الدول الأجنبيةليس لديهم قانون صحافة، فأنتم بهذا القانون تقيدون الحريات، لكن هذا غير صحيح.

قوانيننا تنظيمية، تنظف وتحمي المؤسسة نفسها، وتحمي العاملين في هذه المؤسسة، وتحمي حقوقهم، أنت تحافظ على مجتمع، وتحافظ على قيم، وتحافظ على علاقاتك مع الدول الصديقة والشقيقة، في أمور كثيرة، فأنت ملزم بأن تنظم هذه العملية أكثر من أن تقول: أنا وضعت قانوناً يقيدها.

لما تأتي إلى وسائل التواصل الاجتماعي، هناك قوانين، ولو تتركها للقوانين العامة الأخرى، ستكون أكثر إلزاماً، يعني نفترض أننا في البحرين ليس لدينا قانون صحافة، إذا سيتم تطبيق قانون العقوبات، في أمور كثيرة.

والدليل أن اليوم الدول الغربية، بعض الصحف الأجنبية تدفع ملايين كتعويضات لمتضررين من أخبار مضللة، إحدى الشخصيات الأجنبية رفعت قضية على إحدى الصحف، وطالبتها بتعويض 150 مليون دولار، أنت تسمع عن أرقام فلكية، وبعض القضايا التي كسبوها تتكلم عن 7 ملايين و8 ملايين دولار تعويض، أو أحياناً تصير مجرد تسوية وبأرقام فلكية حتى لا يكبر الموضوع.

لدينا قانون ينظم العملية، ونرجع إلى وسائل التواصل الاجتماعي، قانون الجرائم الإلكترونية ممكن أن ينظمها، وقانون العقوبات ممكن أن ينظم عملية القذف والشتم، وتقدر الجهات القانونية أن تكيّف القضية من خلال أي قانون موجود.

والآن دخل علينا موضوع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، فيه تزييف للصور والفيديوهات إلى آخره، وهناك صعوبات جديدة في هذا النطاق، فهل تجد أن قوانين الصحافة الحالية الموجودة لدينا ممكن أن تتكيف مع طبيعة هذه التشريعات؟

- القوانين في كل دول العالم يجب تطويرها، الآن هناك بعض الأفكار التي تطرح من خلال المجالس التشريعية، وفي مجلس الشورى طرح موضوع التعامل مع الذكاء الاصطناعي.

لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول إننا ما زلنا في بداياتنا في موضوع الذكاء الاصطناعي، وبعد فترة سيظهر شيء أكبر، فلماذا تذهب وتضع قانوناً، وبعد سنة أو سنتين تغيره.

فواحدة من الإشكاليات أيضاً عملية الإثبات، كيف ستصبح؟ أنت تدري أن الذكاء الاصطناعي عُرضت عليه مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي وسألوه: هل هذه حقيقية أم ذكاء اصطناعي؟ قال: لا، حقيقية.

فالعملية صعبة في الوقت الحالي، صعبة، يمكن في بعض الأحيان تجد أن 97% مولد بالذكاء الاصطناعي، لكن في أحيان أخرى ممكن الذكاء الاصطناعي بنفسه ألا يعرف أن المادة مولدة بالذكاء الاصطناعي، ولا ننسى أن القوانين لا تأخذ إلا بشيء مؤكد 100%.

وهذه نقطة أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي المهنية في الطرح دكتور، خصوصاً اليوم، وفي ظل الاعتداءات الإيرانية التي تعرضت لها دول المنطقة، هناك بعض المنصات التي تنقل على نحو صريح رواية العدو بلسان جهات رسمية لدى الطرف الآخر، فكيف نفصل بين الحياد أو المهنية في الطرح، وبين أن تكون أنت تنقل رواية العدو بما قد يضر بلدك؟ أين الخط الفاصل؟

- للأسف الشديد، اليوم الإعلام العربي، أصبح في بعض الأحيان يسوق لرواية غير صحيحة.

ما نراه اليوم بشكل جلي وواضح، وللأسف الشديد، إن الرواية الأخرى للعدوان الإيراني الأخير أصبحت مسوقة إلى حد بعيد جداً، لأنه لها مسببات كثيرة، أحياناً من يدير البرنامج، أحياناً من يعد البرنامج، وأحياناً من يخرج البرنامج، من خلال بث المقاطع والصور التي تدعم الرواية الأخرى.

فالسياسة التحريرية لهذا الموضوع كلها غير حيادية، لكن هو يقدمها لك على أساس أنه من خلال الحيادية يعطي فرصة، في حين أن روايتنا لا نسمعها عند الطرف الآخر.

موضوع الحيادية هذه غير صحي وهو موجود في الإعلام، لو كانت موجودة في الإعلام كان رأيناها في الإعلام الغربي الذي حاول أن يسوق هذه الفكرة بأن هناك حيادية، وهناك حرية طرح، لكنه مع مرور الوقت أدركنا أن الأمر غير صحيح، ولا يوجد حيادية في الإعلام، ومن يقول عكس ذلك فهو يناقض نفسه.

وبالنسبة للرد على سرديات العدو، العدو الإيراني كانت له سرديات كثيرة في مختلف المجالات، متى يكون الأفضل الرد، ومتى يكون الأفضل تجاهل هذه القصص أو السرديات؟

- لا أريد أن أسمي أشخاصاً بعينهم، رأيت بعض المسؤولين الإيرانيين يحاولون تسويق بعض الأفكار، لكن تكتشف أنه ليس صاحب قرار، هو يقول وجهة نظر شخصية ليس لها أي قيمة، أو يعطيك إياها بلهجة أخرى أو بلغة أخرى، الشخص نكرة، غير معروف، ليس له قيمة، يعني أنه لم يأت من مطبخ القرار على أساس أنه يقدر أن يقول لك ماذا يجري، هو لا يدري عن الموضوع، لكنه يسوق فكرته.

فللأسف الشديد أن البعض يتفاعل معه، أنا أقول لا تتفاعل معه، إذا كان هناك خبر رسمي صادر من جهة رسمية، يجب أن تتعامل معه فقط، أما هؤلاء، لا، ليس لهم أي قيمة، هم يسوقون، فلندعنا من هؤلاء فهم ليس لهم أي صفة رسمية ولا يستحقون الرد عليهم.

عادة يقال إن المنتصر هو من يكتب الرواية أو يكتب التاريخ، لكن هل تعتقد مثلاً في هذه الحالة أن الخاسر أيضاً يمكن أن يكتب رواية، إذا كان المنتصر لم يسارع أو لم يبدأ بكتابة روايته بالشكل الصحيح؟

- نحن نحرص على المصداقية، ولا يمكن أن نسوق معلومة غير صحيحة أو أفكاراً متطرفة أو أسلوباً غير حضاري في طرحنا، نحن بطبيعتنا لسنا أصحاب صوت مرتفع، نحن أصحاب صوت مقنع ومنطق.

الآخر أحياناً يأتي بعنجهية وبصوت مرتفع وعدم مصداقية، فيحاول أن يسوق فكرته، لكن تسويقه هذا معقد، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.

لكن الصوت العالي أحياناً يمكن أن يؤثر في أصحاب العقول الضعيفة، خصوصاً إذا لم نسارع في طرح سردياتنا، هل تتوقع أنه يؤثر؟

- أتوقع أنه يؤثر على بعض الناس، لكنه هذه ليست بإشكاليتك، أنت تهتم بدورك بالشكل الصحيح، وأن تقدم دورك الذي المفترض أن تقوم به من منطلق الواقع والقناعة، وأقولها، اليوم نحن ولله الحمد لدينا في الخليج قصص نجاح كبيرة، الناس تراها على أرض الواقع، لا تحتاج أن تسوق لها.

كيف نقدم ونسوق الرواية الرسمية، كيف نقول إن دول الخليج قامت بهذه الإنجازات؟ كيف نقدمها للجمهور؟

- أعتقد أن اليوم الناس بدأت تستشعر كثيراً من النعم الموجودة عندنا، نحن مررنا بتحدٍ جداً كبير، وهذه التحديات أثبتت أن الدولة قادرة على مواجهتها،

أنا ذكرت في محاضرتي الأخيرة أن اليوم أصبحنا في معركة وهي، ومعركة الوعي هذه يحاول فيها كل من يتآمر علينا أن يهز ثقتنا بدولنا.

ولله الحمد أثبتت دولنا أنها على مقدرة، وتملك كفاءة عالية للتعامل مع أي تحدٍ، بداية من فترة كورونا، وهذه كانت أزمة عالمية، وكانت دول الخليج من أفضل من تعامل مع هذه الأزمة.

واليوم نحن في حالة حرب مباشرة ضد دولنا، لكن ولله الحمد قدرةاستطعنا أن نثبت للعالم بأننا قادرون على حماية أنفسنا، بفضل الله -سبحانه وتعالى- ثم بأيدي أبنائها.

أنت تراهن على الإنجاز قبل الرواية نفسها؟

- بالضبط، لأننا إذا تحدثنا عن كمية المعلومات الموجودة في وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أن معظمها ليست لها قيمة، لأن أحياناً الطرح غير منطقي، لذلك عمره الافتراضي قصير، ينتهي بسرعة، والذي يأتي من بعده يغطي على الخبر.

رأينا في هذه الأيام والشهور الأخيرة أهمية دور الإعلام، واليوم يمكن أن يوازي الجهد العسكري الذي تقوم به الدول، لكن هل ترى أن الإنفاق في المجال الإعلامي أو الجهد المبذول يوازي الأهمية، أم ما زلنا نعتبر ملف الإعلام شيئاً جانبياً أو ثانوياً؟

- اليوم الناس ترى الأمور من خلال الإعلام، وأنت ترى العالم الآخر من خلال الإعلام، الإعلام اليوم أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، في السابق كان الإعلام عبارة عن ترفيه وجزء من الثقافة.

اليوم الإعلام لديه أدواته، كل الصحف وكل القنوات والوسائل كلها معه في متناول يده، ويتعامل معها بشكل يومي ويتفاعل معها.

وتتم إدارة المشهد الإعلامي بشكل تام، وعندما تحاول فرض نوع من السيطرة عليه تجد أن العملية صعبة جداً، لكن أنت مطلوب منك المصداقية والشفافية والسرعة، وهذه كلها تحديات.

قبل سنوات إذا وقع أي حدث أمني، عملية الحصول على المعلومة كانت تحتاج ربما يومين إلى ثلاثة، اليوم أسرع الأجهزة في التعامل مع الإعلام هي الأجهزة الأمنية، من خلال صفارة الإنذار التي تأتيك في اللحظة نفسها، وكل وسائل التواصل متفاعلة معها، والرسائل التي تأتيك، والأخبار، وشفافية كاملة، ومصداقية وسرعة.

فأنا أعتقد أن المشهد الإعلامي، بفضل الله -سبحانه وتعالى- ثم الكفاءات الموجودة اليوم، يؤدي دوره وأكثر، وواجه تحديات كبيرة بنجاح، وإن شاء الله قدها.

هل ترى أن الدعم والإنفاق على القطاع الإعلامي كافٍ، أم أنه يحتاج إلى دعم إضافي؟

- يختلف الأمر من جهة إلى جهة، لا يوجد شك بأن الإعلام مستهلك كبير، ولا يوجد شك أنه يحتاج دعماً، أكيد يحتاج دعماً، عملية استمراره، أنا كنت دائماً أقول: ليس هناك في مجد في الإعلام، لأن المنتج الذي تنتهي منه يذهب إلى الأرشيف، ولذلك تكلفته عالية جداً.

لا تستطيع أن تقول: سأصنع منتجاً يبقى معي، مثلاً أعرضه يومياً، فالناس سوف تستمتع به بضعة أسابيع ثم تنساه، لذلك هو مكلف جداً بكل تأكيد.

ما الذي يفترض أن نتعلمه اليوم، دكتور، من هذه الاعتداءات التي تعرضنا لها إعلامياً؟ وما الدروس المستفادة منها؟

- اليوم أصبحت الساحة أشبه بالمعركة؛ فمن يصل أولاً هو من يسيطر، ومن يبث أولاً هو من ينتشر أكثر، وهذه، للأسف الشديد، قاعدة ثابتة. فالخبر غير الصحيح والخبر السيئ ينتشران أسرع بطبيعتهما.

وهذا هو التحدي الذي يواجه الإعلام؛ إذ يجب أن تكون دائماً في حالة استعداد، فلا مجال لأن ترتخي وتقول: هذه فترة راحة أو "بريك". يجب أن تكون دائماً متنبّهاً، وأن تتوقع دائماً ما قد يحدث، وأن تكون لديك خطط بديلة في عالم الإعلام.

كيف يمكن أن تتبنى الدول الخليجية والعربية موقفاً موحداً في مواجهة الأجندات المشبوهة من الخارج؟ وهل هو فعلًا قابل للتطبيق؟ وهل هناك نماذج ناجحة يمكن البناء عليها؟

- أعتقد أن دول الخليج اليوم لديها تنسيق كبير على جميع المستويات، بما فيها المستوى الإعلامي.

وأذكر أنه في عام 2016 كان لدينا مشروع أكبر أطلقنا عليه "هنا الخليج"، وكانت الفكرة أن نبدأ بإذاعة، ومن ثم نطورها إلى قناة تلفزيونية، بالتعاون مع مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك الموجودة في الكويت، والاتحاد الإذاعي والتلفزيوني، وجهاز تلفاز الخليج الموجود في السعودية.

وكان الهدف أن ندمج هذه المؤسسات على أساس أن نقدم أنفسنا إعلاميًا للمجتمع الخارجي والمجتمع الدولي باعتبارنا دولًا مترابطة، وأن نعزز الصورة الذهنية عن دول الخليج.

وأعتقد أن دول الخليج اليوم، وعلى جميع المستويات، لديها تنسيق إعلامي جيد، ولا أرى أي تباين، بل على العكس، هناك تنسيق واحترام كبير بين كل طرف والآخر.

لكن يجب أن نعزز الصورة الذهنية لدى المجتمع الدولي، خصوصًا أمام كل من يتآمر علينا، وأن تكون لدينا جبهة إعلامية موحدة.

من واقع خبرتك، كيف رأيت تعامل الإعلام الخليجي والمحلي مع الاعتداء الإيراني؟ وهل كان بالإمكان أن يقدم أكثر؟ وكيف يمكن تعزيز هذه الجهود؟

- كانت هناك اجتهادات كبيرة جداً، وشاهدنا أصواتاً وشخصيات خرجت وتحدثت وحاولت أن تساهم، وكانت هذه اجتهادات شخصية، وهذه طبيعة الأزمات؛ ففي الأزمات يكون التنظيم دائماً أقل من فترات الاستقرار والراحة، لأن طبيعة الأزمة تفرض ظروفاً مختلفة.

لكن رغم ذلك، كانت النتيجة ممتازة، وكان هناك مجهود كبير، حيث شاهدنا الكثير من البرامج والشخصيات التي كانت تحلل وتتحدث، وكانت جميعها تتكلم بحس وطني وحرص على وحدة الجبهة الداخلية للدولة، وكذلك وحدة دول الخليج.

وبالعكس، أنا متفائل جداً بما شاهدته، وأعتقد أنه يجب البناء على هذه التجربة في المستقبل.

هل ترى أن التعامل الإعلامي كان بالمستوى المطلوب؟

- نعم، لأن مشكلتنا أحيانا أن التقييم يتم من خلال برنامج واحد؛ قد تشاهد برنامجاً وتقول إنه كان دون المستوى، لكن لا يمكن أن أستهين بالمجهود الذي قُدم. كانت هناك مجهودات كبيرة، ويجب أن ننظر إلى الصورة كاملة.

أحياناً تحدث اعتداءات على منشآت حيوية وغيرها، وهناك من يرى أنه من الأفضل عدم نشر صور الدمار حتى لا نخيف الناس، بينما يرى آخرون أن من الضروري نشرها لإظهار حجم الاعتداء وإيصال رسالة للعالم بأن العدو يستهدف الدولة والبنية التحتية والمدنيين. هل هناك معيار واضح يحدد متى ننشر ومتى لا ننشر؟

- طالما أن لديك حدثاً أمنياً، فأنت تترك للجهة المعنية تحديد ما يمكن نشره، لأن الموضوع أكبر من أن يتم التعامل معه إعلامياً فقط. تبعات هذا النشر قد تكون سيئة، وأحياناً قد تكون في صالحك، ولذلك يجب أن تترك للجهات المعنية اتخاذ القرار.

بعد ذلك، يمكن للإعلام أن يعيد تقييم الموضوع من خلال النقاش مع الجهات المعنية، ومحاولة نشر جزء من الرواية أو المعلومات التي يمكن نشرها. أنت تتحدث عن بلد، ولا يمكن التعامل مع مثل هذه الأحداث من خلال محاولة إرضاء وجهة نظر إعلامية فقط.

كما يجب أن تترك للجهات الأمنية تحديد ذلك، لأنها تمتلك تقييماً أوضح، خصوصاً إذا كان الحدث ذا طبيعة أمنية.

كيف نهيئ اليوم جيلاً إعلامياً مسؤولاً، خصوصاً في الشق السياسي، يستطيع مواجهة هذا الكم الهائل من المعلومات المضللة، وبالذات في هذه الأوضاع؟ وهل الجهود الحالية في بناء هذا الجيل كافية، أم نحتاج إلى جهود أكبر؟

- أنا لست في موقع أستطيع من خلاله تقييم ذلك بشكل علمي دقيق، لكن إذا أردنا أن ننظر إلى الموضوع بشكل عام، فلا شك في أن هذا الأمر يجب أن يحظى باهتمام أكبر، خصوصاً في موضوع الوعي.

لأنه إذا غاب الوعي، فمن السهل أن تبيع للإنسان أوهاماً، ومن السهل أن تمرر عليه أجندات وأخبارًا مضللة ومعلومات خاطئة، لأن الشخص الذي أمامك لا يعي ما يدور حوله ولا يعرف ما الذي يحدث.

وهذه خطورة كبيرة، ولذلك يجب أن نزيد من جرعة الوعي. وهذا مشروع دولة، ولا يمكن أن تتكفل به جهة واحدة.

لا يمكن أن تقول إن وزارة الإعلام هي التي يجب أن تقوم بكل شيء، أو إن خطباء المساجد يجب أن يركزوا على هذه النقطة، أو إن كتاب المقالات أو المدرسين أو المحاضرين في الجامعات هم المسؤولون عنها.

الجميع يجب أن يركز على هذه النقطة، لأننا إذا لم نعلّم هذا الجيل أهمية استقاء المعلومة من الجهة الصحيحة، فنحن لا نحميه من التضليل فقط، وإنما نحافظ حتى على سلامته النفسية؛ فكثير من الأخبار السيئة تؤثر نفسياً، خصوصاً إذا كانت أخباراً مضللة وغير صحيحة.

وهذه حروب نفسية تتعامل فيها الكثير من الدول، من خلال تمرير مثل هذه المعلومات. وشاهدنا كماً من الفيديوهات التي كانت غير صحيحة؛ أحياناً تراها، وبحكم معرفتك بخلفيتها تضحك عليها، لكن غيرك قد لا يضحك، بل يتأثر، وقد تبدأ هذه المعلومات بالتأثير حتى على صحته نتيجة خبر سيئ.

لذلك، فإن عملية خلق جيل واعٍ في التعامل مع هذه الأدوات التي تستخدم ضدنا هي عملية طويلة، وتحتاج إلى تكاتف الجميع.

بالنسبة للإعلاميين، وخصوصاً الواعين منهم في الجانب السياسي، ربما كان لدينا في السابق وفرة من المختصين في هذا المجال، واليوم نرى كفاءات شابة. كيف تقيم مستوى هذه الكفاءات؟

- من الصعب أن أقيم ذلك. أنا متابع جيد لكل ما يُكتب، ولم أنقطع عن الإعلام. صحيح أنني تركت وزارة الإعلام لمدة تقارب أربع سنوات، لكنني لم أنقطع عن الإعلام بشكل كامل.

ومن الصعب أن تعمل مقارنة بين الجيل الحالي والسابق، لأن الاختلاف كبير جداً؛ حتى طبيعة المحتوى الذي يُكتب اليوم اختلفت، والمواضيع تغيرت، والجمهور تغير، وطبيعة الإعلام نفسها تغيرت.

بالعكس، أنا أرى أن هناك جيلاً مختلفاً يتعامل مع الإعلام بطريقة مختلفة تماماً عما كنا نتعامل معه في السابق، ومن الصعب أن تقول إن جيلاً أفضل من جيل، لأن كل جيل يعتقد أنه يقدم بطريقة صحيحة ويتعامل مع الجمهور بالشكل الصحيح.

اليوم نرى الكثيرين يستخدمون مسمى "الإعلامي"، سواء كان دارساً للإعلام أو غير دارس، ممارساً للمهنة أو غير ممارس، ويظهر على منصة اجتماعية ويحمل المايك ويقول: "أنا إعلامي". وفي المقابل، هناك الكثير من العاملين في مجال الإعلام لديهم خبرة وثقل مهني، ولا يصفون أنفسهم بالإعلاميين. من وجهة نظرك، من يمنح الشخص هذه الصفة؟

- اليوم ظهرت مسميات كثيرة ومصطلحات جديدة، مثل ناشط اجتماعي أو إعلامي أو مؤثر وغيرها، لكن في النهاية، أنت تقدم نفسك كما تعتقد، لكن المجتمع هو الذي يراك ويقيمك.

لا يمكنك أن تقدم نفسك على أنك إعلامي إذا كان الناس لا يرونك إعلامياً. أنت تستطيع أن تزرع الفكرة التي تريدها، لكن في النهاية المجتمع هو الذي يحدد الصورة التي يراك بها، وليس بالضرورة الصورة التي تكتبها عن نفسك.

لا تستطيع أن تمنع الشخص. اليوم قد يقول لك شخص: "أنا فنان"، فمن الذي أعطاه هذه الصفة؟ هو أعطاها لنفسه.

حتى من الناحية القانونية، الموضوع ليس بسيطاً. عندما بدأنا إصدار بطاقات الإعلاميين، ظهرت أسئلة كثيرة: هل الفنيون إعلاميون؟ هل المحررون فقط؟ هل المذيعون؟ هل من لديه عضوية في صحيفة أو يعمل في مؤسسة إعلامية؟ هذه مسألة مفتوحة، وليست عندنا فقط، بل موجودة في كل دول العالم.

لكن في النهاية، المجتمع هو الذي يطلق عليك اللقب الذي يراك به، بغض النظر عن كونك سميت نفسك به أم لا.

بحكم عملك سابقاً كأكاديمي في جامعة البحرين ومعرفتك بالمجال الأكاديمي، كيف تقيم واقع تدريس الإعلام في مؤسساتنا الأكاديمية، وتحديداً في البحرين؟

-التعليم بشكل عام تغيرت طبيعته. أعطيك مثالاً بسيطاً: عندما كنت أحاضر في الجامعة، كنت أطلب من الطلبة كتابة بحث.

اليوم، مع وجود الذكاء الاصطناعي والكثير من التطبيقات التي تقدم هذه الخدمة، أصبحت طريقة كتابة البحث تحتاج إلى أن تكون مختلفة تماماً عن السابق.

يجب أن تبحث عن مواضيع تخص الطالب نفسه، وأن تبتعد عن أن يكون البحث مجرد جمع للمراجع، على أساس أن يتعلم الطالب آلية البحث وطريقة البحث العلمي، وأن يكون هناك بحث ميداني.

وبالنسبة للإعلام، فإن محتوى الإعلام تغير. أنت اليوم ترى الاستديو والكاميرات الموجودة حولك، وهي مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في السابق.

هل تعتقد أن المناهج الحالية تواكب هذا التطور؟

- لا أعتقد أنها تواكب التطور بالشكل الكافي، وأذكر أنني في إحدى المواد طلبت من الإدارة تغيير نحو 80% من المنهج، لأن الكثير من المعلومات الموجودة فيه أصبحت لا علاقة لها بالواقع الحالي.

وهذا لا يعني أن ألغي دور الجامعة في إعداد الكفاءات، لكن يجب أن ترتفع نسبة الجانب العملي بشكل أكبر مقارنة بالتنظير. كمية المعلومات أصبح بإمكان الطالب أن يحصل عليها بسرعة ومن أي مكان، لكن التنفيذ والتدريب العملي والممارسة هي التي يجب أن تكون بشكل أكبر.

بالنسبة للصحف المحلية اليوم في البحرين، كيف ترى دورها؟ هل يجب أن تبقى كصحف وطنية بدورها الحالي، أم يجب أن ترفع السقف وتصل إلى مستويات أخرى؟

- الصحافة تواجه تحدياً كبيراً جداً في ظل الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي واعتماد المتابعين عليها إلى حد بعيد للحصول على المعلومات، خصوصًا من مواقع وحسابات أحياناً لا علاقة لها بالمهنة ولا تتحمل المسؤولية نفسها التي تتحملها الصحف.

وهذه منافسة غير عادلة بالنسبة للصحف، ولذلك تبحث الصحف اليوم عن حلول جديدة حتى تفرض نفسها في هذا المشهد.

وشاهدنا كثيراً من الصحف، وأنتم اليوم، على سبيل المثال، تقدمون برامج تلفزيونية، وهذا الأمر لم يكن موجوداً بهذا الشكل في السابق، وهو جزء من الحلول التي تبحث عنها الصحف.

أما من ناحية الطرح، فلا شك في أن الحس الوطني موجود لدى الصحافة الوطنية، وتناول ما يدور في الشارع المحلي هو جزء من طبيعة عمل الصحافة المحلية. نحن نناقش كل ما هو مهم بالنسبة للمواطن وبالنسبة للدولة.

المعادلة ليست سهلة، وفيها شيء من الصعوبة، لكنني أعتقد أن كل مؤسسة قادرة على التعامل مع المشهد بالشكل الذي يخدم البحرين أولاً.

هل ترى أن الصحافة تقوم بدورها اليوم، أم أنها تحتاج إلى بذل جهود إضافية؟

- لا شك في أن لديها دوراً كبيراً جداً حتى هذه اللحظة. أي خبر ينزل في صحيفة رسمية يعطيك شيئاً من الاطمئنان والمصداقية، لأن هذه الصحيفة لن تراهن على اسمها من خلال بث خبر على نحو سريع لمجرد تحقيق السبق على الآخرين.

الصحيفة تراهن على سمعتها، وبالعكس، أرى أن مصداقيتها ما زالت موجودة، والمنافسة موجودة، وحتى من ناحية السرعة لا أرى أن الصحافة متأخرة إلى حد بعيد.

لو طُلب منك، دكتور، أن تقدم توصية لصانع القرار الإعلامي في أي دولة حول كيفية التعامل مع الفوضى الإعلامية التي نشهدها أحياناً، ماذا ستكون هذه التوصية؟

- طبيعة الإنسان ترفض القانون، فالإنسان بطبيعته يرى القوانين قيوداً وحواجز تمنعه من تجاوزها، وهذه طبيعة بشرية، لكن لا يوجد بلد في العالم، ولا مؤسسة في العالم، تنجح من دون قوانين.

كلما وضعت قوانين تحمي المجتمع والبيئة والدولة والعلاقات مع الآخرين، أصبحت هذه القوانين محل احترام.

والتعامل اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح تحدياً لا يقتصر على قطاع واحد. تذهب إلى الأطباء، فيشتكون من معلومات خاطئة، وتذهب إلى المهندسين فيقولون لك إن المعلومات التي قالها فلان خاطئة، وتذهب إلى التربويين، فيقولون لك إن ما قاله فلان غير صحيح.

هناك فوضى بكل ما تعنيه الكلمة، حتى السياسيين ورؤساء الدول والحكومات يشتكون من وسائل التواصل الاجتماعي.

لكنهم لا يشتكون من النقد، أو من ضيق الصدر تجاه الانتقاد، وإنما المشكلة عندما تتسبب هذه المنصات في ضرر، أو عندما يتم تداول معلومات غير صحيحة.

وأعتقد أننا نعيش حالياً مرحلة مخاض، وستتجاوزها المجتمعات، وستبدأ بالتعامل مع هذا الشيء الجديد الذي دخل علينا.

وهذا الكلام لا يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي كلها سيئة، بالعكس، فيها الكثير من المميزات والمحاسن التي خدمت المجتمعات، لكن التعامل مع الجانب السيئ منها يجب أن يكون من خلال قوانين واضحة، وكلما وضعت قوانين واضحة استطعت أن تحكم هذا المجتمع الجديد بشكل أفضل.

بعد هذه المسيرة الممتدة في مجالات مختلفة، وبالذات في المجال الإعلامي، ما الرسالة الأخيرة التي توجهها إلى ممارسي الإعلام في البحرين والمنطقة؟

- في البحرين، أنا دائماً أقول: يجب أن تستشعر نعمة البحرين، وإذا أردت أن تستشعر نعمة البحرين، انظر إلى العالم الآخر وقارن، خصوصاً في مجال الإعلام. كنا نعتقد أن العالم يسير في اتجاه معين، لكننا شاهدنا عملية الانحلال، وشاهدنا عدم احترام القيم والمبادئ، وشاهدنا كيف أدى الخلل في الأسرة إلى خلل في المجتمع.

قد ترى دولة متقدمة مادياً، لكن عندما تدخل إلى داخل المجتمع، وتنظر إلى تفاصيله، ترى أموراً مختلفة.

ونحن، ولله الحمد، بلد منفتح جداً، وفي الوقت نفسه لدينا الكثير من النعم التي يجب أن نحافظ عليها.

البحرين اليوم ليست البحرين نفسها قبل سنوات، والتحديات التي نواجهها تتطلب منا أن ننتبه إلى هذه النعم.

لدينا نعمة الأمن، ونعمة الوحدة الوطنية، ونعمة الترابط، وحتى حجم البحرين نفسه يمثل ميزة في تعزيز التواصل والترابط بين أفراد المجتمع.

لذلك، أقول لكل من يتناول أي موضوع، من أي جانب كان: استشعر هذه النعمة، وضع البحرين أمامك، لأننا جميعاً مسؤولون في مختلف القطاعات والجهات.

ونتمنى أن نرد شيئاً من جمال البحرين، ولو شيئاً بسيطاً، لأن كل ما تقدمه في النهاية سيعود إلى أسرتك الصغيرة، ثم إلى أسرة البحرين.