في السياسة، هناك قرارات تعالج أزمة قائمة، وهناك قرارات تصنع مستقبلاً مختلفاً، والفرق بينهما هو الفرق بين ردّ الفعل وصناعة التاريخ، ومن هذا المنطلق، فإن مشروع الربط المائي الخليجي لا أراه مجرد مشروع خدمي، ولا حتى مشروعاً استراتيجياً بالمعنى التقليدي، بل أراه تحولاً في طريقة التفكير الخليجي تجاه مفهوم الأمن والتنمية معاً.
لقد ارتبط أمن الخليج لعقود طويلة بحماية مصادر الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز القدرات الدفاعية، وهذه كلها أولويات لا خلاف عليها، لكن العالم يتغير بسرعة، وما كان يمثل مصدر القوة بالأمس لم يعد وحده معيار القوة اليوم، فالمياه أصبحت قضية سيادة، وأصبحت القدرة على ضمان استمرار تدفقها جزءاً من الأمن القومي، تماماً كما هو الحال في أمن الطاقة أو الأمن الغذائي.
ولذلك، فإن المبادرة الخليجية لدراسة مشروع الربط المائي تعكس وعياً سياسياً متقدماً، لأنها جاءت قبل وقوع الأزمة، لا بعدها، وهذا في حد ذاته تطور مهم في العقل الاستراتيجي الخليجي؛ إذ لم يعد التخطيط يقتصر على إدارة الواقع، بل أصبح ينطلق من استشراف المستقبل وبناء منظومات قادرة على الصمود مهما تبدلت الظروف.
قد ينظر البعض إلى المشروع من زاوية فنية بحتة؛ خطوط أنابيب، ومحطات ضخ، وخزانات، واستثمارات بمليارات الدولارات، لكنني أعتقد أن جوهر المشروع أعمق من ذلك بكثير، فهو يؤسس لفكرة أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة، وأن الموارد الحيوية لم تعد شأناً وطنياً منفصلاً، بل جزءاً من منظومة إقليمية واحدة، تتقاسم المخاطر كما تتقاسم الفرص.
وهذا هو المعنى الحقيقي للتكامل، فالتكامل لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع، وإنما بقدرة الدول على بناء مصالح لا يمكن لأي طرف أن يستغني عنها، وعندما تصبح المياه مورداً تتشارك الدول في حمايته وإدارته، فإنها تؤسس لعلاقة تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية، وتبني شراكة تقوم على الثقة والمصير المشترك.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات جيوسياسية، ومن استهداف متكرر للبنى التحتية والمنشآت الحيوية، فإن امتلاك شبكة خليجية مرنة لتبادل الإمدادات المائية لم يعد خياراً تنموياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية، فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس فقط بعدد الطائرات أو السفن أو المنظومات الدفاعية، بل أيضاً بقدرة الدولة على استمرار خدماتها الأساسية في أصعب الظروف.
ومن زاوية أخرى، يحمل المشروع بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية، فالمياه أصبحت صناعة متقدمة، تقوم على التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، والاستثمار في هذا القطاع يعني خلق فرص جديدة للبحث العلمي، وتوطين التقنيات، واستقطاب الصناعات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، بما ينسجم مع رؤى دول الخليج لتنويع اقتصاداتها وبناء مستقبل أقل اعتماداً على النفط.
لكن أكثر ما يستوقفني في هذا المشروع أنه يعيد الاعتبار إلى فكرة طالما صنعت الحضارات: أن الماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو أساس الاستقرار الإنساني، فحيثما وُجد الماء، وجدت الحياة، وازدهرت المدن، واستقرت المجتمعات، وحين يصبح الحفاظ عليه مشروعاً خليجياً مشتركاً، فإن الرسالة تتجاوز حدود المنطقة إلى العالم العربي كله، بأن التنمية الحقيقية لا تبدأ من تشييد الأبراج، وإنما من تأمين مقومات الحياة للأجيال القادمة.
ولهذا، فإن الربط المائي الخليجي، في تقديري، ليس مشروع القرن في قطاع المياه فحسب، بل قد يكون أحد أهم مشاريع بناء الثقة الخليجية في العقود المقبلة، فالأوطان القوية ليست تلك التي تنتظر الأزمات لتتحرك، وإنما تلك التي تقرأ المستقبل بعين المسؤولية، وتبادر إلى صناعته قبل أن يفرض نفسه عليها.
إن حماية الماء ليست قضية هندسية، بل قضية حضارية. ومن يحمي الماء اليوم، إنما يحمي الإنسان، ويحمي التنمية، ويحمي استقرار الخليج لعقود قادمة.
* إعلامية وباحثة أكاديمية