اختصر جي. دي. فانس المشهد حين رفض وصف ما يجري مع إيران بالحرب، رغم دخول المواجهة شهرها السابع واستمرار التوتر في هرمز، وربما كانت عبارته أقرب وصف للمرحلة التي تعيشها المنطقة، حالة «لا سلم ولا حرب»، تهدأ فيها الجبهة أياماً، تتحرك بعدها الوساطات، ثم يعيد صاروخ أو استهداف لناقلة الجميع إلى نقطة التوتر نفسها.

بالنسبة لنا في الخليج العربي، هذه المنطقة الرمادية مرهقة، لأن آثارها تقع في محيطنا المباشر، وتمتد إلى الملاحة والمنشآت وحركة الاقتصاد، وكلما طال الوضع أصبح الهدوء المؤقت أقل قدرة على طمأنة الناس والأسواق.

وهنا يبدو النفط أكثر صراحة من السياسيين.

خلال أيام ارتفع برنت بأكثر من 6%، وعاد هرمز إلى واجهة الأسواق، فالنفط الخليجي مطلوب والمشترون موجودون، لكن الطريق بين المنتج والمشتري أصبح أكثر خطورة وكلفة، والناقلة تحسب المخاطر قبل العبور، وشركات الشحن والتأمين تراقب أي تصعيد، وأي حادث جديد يستطيع خلال ساعات أن يعيد تسعير المنطقة كلها.

وفي واشنطن هناك موعد آخر يضغط على هذه الحسابات وهو 3 نوفمبر، فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، والجمهوريون يحاولون حماية أغلبيتهم الضيقة في الكونغرس، بينما أصبحت الحرب مع إيران عبئاً سياسياً متزايداً، استطلاع رويترز وإبسوس الأخير أظهر أن ربع الأمريكيين فقط يرون الحرب جديرة بالاستمرار، فيما يزداد انزعاج الناخبين من أسعار الوقود، وتشير تقارير من واشنطن إلى رغبة داخل إدارة ترامب في إبقاء المواجهة تحت السيطرة حتى تمر الانتخابات.

وهنا نفهم شيئاً من حرص ترامب على النفط، فالرئيس الذي يريد الضغط على إيران يحتاج في الوقت نفسه إلى منع الحرب من رفع سعر البنزين على الناخب الأمريكي، ومن هذه الزاوية تكتسب فنزويلا أهمية أكبر، الاتفاق الأمريكي الجديد يفتح أمام واشنطن وصولاً واسعاً إلى احتياطيات ضخمة، ويمنحها مصدراً أقرب جغرافياً إلى السوق الأمريكية، بعيداً عن هرمز وتقلباته.

وفنزويلا تحتاج وقتاً واستثمارات كبيرة حتى تعود إلى مستويات إنتاجها السابقة، لكن الاتجاه السياسي واضح، ترامب يريد نفطاً أكثر، وسعراً أقل، وهامش حركة أوسع إذا عادت المنطقة إلى الاشتعال.

وتظهر هنا مفارقة تستحق التوقف عندها، الخليج يملك واحداً من أهم مصادر الطاقة في العالم، بينما يبقى جانب كبير من صادراته مرتبطاً بمضيق يتحول عند كل أزمة إلى نقطة ضغط، وفي المقابل تعمل واشنطن على توسيع خياراتها بعيداً عن هذه الجغرافيا.

ولهذا يتجاوز درس الأشهر الماضية سعر البرميل، فأمن الطاقة الخليجي يرتبط اليوم أكثر بمنافذ التصدير البديلة وقدرة دول المنطقة على حماية وصول نفطها إلى الأسواق.

أما حالة «لا سلم ولا حرب»، فقد تستمر إلى أن تمر الحسابات الانتخابية الأمريكية وربما بعدها، وكل طرف يستغل الوقت وفق مصلحته.

ويبقى معيارنا في الخليج أكثر وضوحاً، أن تتوقف الاعتداءات، وأن تستقر الملاحة، وأن تعبر الناقلة هرمز من دون أن تصبح خبراً عاجلاً.