يُعد منصب المختار أحد المناصب التقليدية ذات الجذور العميقة في المجتمع البحريني، حيث ارتبط تاريخياً بدور الوسيط بين الأهالي والسلطة المحلية، جامعاً بين الوظيفة الإدارية والبعد الاجتماعي.

فالمختار كان يمثل عين المجتمع في نقل احتياجاته اليومية، وتوثيق العلاقات بين الأفراد والإدارة، وحل النزاعات البسيطة، وتسهيل الإجراءات الرسمية.

هذا الدور جعل منه شخصية محورية في تعزيز الثقة بين المواطن والدولة، ومظهراً من مظاهر المشاركة المجتمعية في إدارة الشأن المحلي.

ومع صدور المرسوم بقانون رقم (38) لسنة 2026، أعيد إحياء هذا المنصب بعد أكثر من عقدين من إلغائه، ليعود إلى منظومة المحافظات في مملكة البحرين بإطار قانوني جديد يحدد آلية التعيين والاختصاصات، ويؤسس لمرحلة إدارية مختلفة تستند إلى إعادة دمج المختار كحلقة وصل بين المواطن والسلطة المحلية.

ومن منظور قانوني، فإن هذا التنظيم يثير عدة نقاط جديرة بالتحليل، إذ إن المرسوم صدر استناداً إلى صلاحيات السلطة التنفيذية في إصدار مراسيم بقوانين عند الضرورة، وهو ما يتوافق مع نصوص الدستور البحريني التي تجيز ذلك بشرط عرض المرسوم على السلطة التشريعية لاحقاً، كما أن النص على أن التعيين يتم بقرار من وزير الداخلية من بين الأسماء المرشحة من المحافظ المختص يضع المختار في موقع إداري تابع للسلطة التنفيذية، ما قد يحد من استقلاليته، ويجعله أقرب إلى موظف إداري منه إلى ممثل مجتمعي.

ويلاحظ أن المرسوم حدد مدة التعيين بأربع سنوات قابلة للتجديد لمدة أو لمدد أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام استمرار المختار في منصبه لفترات طويلة، الأمر الذي قد يخلق حالة من الاستقرار الإداري، لكنه في الوقت ذاته قد يثير مخاوف من ترسيخ النفوذ الشخصي إذا لم تُفعّل آليات الرقابة والمساءلة.

كما منح المرسوم وزير الداخلية صلاحية إعفاء المختار من وظيفته قبل انتهاء مدة تعيينه بناءً على توصية المحافظ المختص، وأجاز له إسناد أعمال المختار إلى مختار آخر في ذات المحافظة إذا اقتضت المصلحة العامة أو حال مانع مؤقت دون قيام المختار بمهامه، وذلك لمدة يحددها الوزير، وهو ما يعكس مرونة إدارية مهمة، ويُحسب للمشرّع أنه وضع آلية عملية لضمان استمرارية العمل وعدم تعطله.

أما بشأن الشروط القانونية لشغل المنصب، فقد نص المرسوم على أن يكون المختار بحريني الجنسية، وألا يقل عمره عن الأربعين عاماً، يجيد القراءة والكتابة، حسن السمعة، متمتعاً بحقوقه السياسية، وألا يكون قد سبق الحكم عليه في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو فُصل من وظيفة عامة، وهي شروط تؤكد أن المنصب يحمل طابعاً رسمياً يتطلب نزاهة وخبرة، وتُشيد بوعي المشرّع في الحرص على أن يتولى هذا الدور أشخاص ذوو مكانة اجتماعية وسمعة طيبة.

كما أن ترك تحديد مهام المختار إلى قرار لاحق من وزير الداخلية يثير تساؤلات حول وضوح الدور القانوني، لكن يُحسب للمنظم أنه أبقى الباب مفتوحاً لتحديد المهام بما يتناسب مع احتياجات كل مرحلة وظروف كل محافظة.

ومن الجوانب المهمة التي نص عليها المرسوم أيضاً أن المختار يتقاضى مكافأة شهرية يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء، وهو ما يضع المنصب في إطار وظيفي رسمي، وليس مجرد تكليف اجتماعي، ويُعتبر خطوة إيجابية تعكس تقدير الدولة لدور المختار وإعطائه مكانة إدارية معتبرة.

من منظور قانوني، فإن إعادة نظام المخاتير خطوة تحمل أبعاداً إيجابية في تعزيز التواصل بين المواطن والإدارة المحلية، ويُشكر المشرّع على إعادة إحياء هذا الدور التاريخي في صيغة حديثة تتناسب مع متطلبات المرحلة، ونأمل بتحديد ضمانات تشريعية إضافية مثل:

-ضرورة إصدار لائحة تنفيذية واضحة تحدد اختصاصات المختار بدقة لتفادي تضارب الصلاحيات مع المجالس البلدية أو المحافظين

- إدخال آلية رقابية على أداء المختارين بما يضمن عدم تحول المنصب إلى مجرد امتداد للسلطة التنفيذية.

- وضع حد أقصى لمرات التجديد حفاظاً على مبدأ التداول ومنع الاحتكار الإداري.

وأخيراً فإن المرسوم بقانون رقم (38) لسنة 2026 لا يقتصر على إعادة منصب المختار بصيغة حديثة، بل يفتح المجال لتطوير الإدارة المحلية عبر تعزيز الصلة بين المواطن والسلطة التنفيذية.

غير أن نجاح هذا الإطار القانوني يتوقف على استكماله بضمانات تشريعية واضحة وآليات رقابية فعّالة، بما يضمن أن يظل المختار أداة لخدمة المجتمع في إطار من النزاهة والتوازن المؤسسي.