حسن روحاني الرئيس الإيراني الأسبق والذي تولى هذا المنصب لولايتين متتابعتين، يقول اليوم إن «مضيق هرمز بلا سفن لا فائدة منه»، وهو بذلك يعيدنا أصلاً إلى فكرة دافع عنها طوال سنوات وجوده في الرئاسة.

فكرته كانت متمثلة بأن القوة الإيرانية لا تقاس بقدرتها على تعطيل المضيق أو تهديد الملاحة، وإنما بقدرتها على استخدام موقعها ونفوذها للوصول إلى ترتيبات سياسية وأمنية تحفظ مصالحها. وهي الفكرة التي تعارض فكرة الحرس الثوري اليوم.

الفرق بين الفكرتين، في جانب كبير منه، هو الفرق القائم اليوم بين المدرسة البراغماتية داخل النظام الإيراني وبين المدرسة العسكرية الأكثر تشدداً.

روحاني في عام 2019 وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليطرح «مبادرة هرمز للسلام»، والتي قامت فكرتها على أمن الملاحة، وحرية التجارة، والحوار بين دول المنطقة، ومحاولة بناء إطار إقليمي للأمن في الخليج.

المبادرة لم تنجح، ولم تكن دول الخليج العربي مستعدة لمنح هذا الخطاب الإيراني ثقة لم تكن تجد ما يبررها على الأرض، خصوصاً في ظل استمرار تدخلات الحرس الثوري وسياساته الإقليمية. لكن أهميتها اليوم أنها تكشف أن حديث روحاني الحالي عن هرمز والمفاوضات امتداد لرؤية سياسية حملها معه منذ كان رئيساً.

المفارقة أن التجربة نفسها أثبتت أيضاً حدود سلطة الرئيس الإيراني. روحاني كان يتحدث مع الخليج عن الحوار وحسن الجوار، بينما كانت مؤسسات أخرى داخل الدولة الإيرانية تتحرك باتجاه مختلف تماماً. وهذا أحد الأسباب التي جعلت دولنا تتعامل دائماً بحذر مع سؤال قديم لم تجد طهران حتى الآن إجابة مقنعة عنه، وهو: مع مَن نتحدث حين نتحدث مع إيران؟! مع الحكومة أم الحرس الثوري أم المؤسسات المرتبطة مباشرة بالمرشد؟!

لهذا تكتسب تصريحات روحاني الحالية أهمية أكبر من مضمونها المباشر.

نحن أمام رئيس سابق، ومن أبناء النظام نفسه، ينتقد في لحظة حرب منطق التصعيد المفتوح، ويدعو إلى دعم المفاوضات، ويحذر عملياً من تحويل مضيق هرمز من ورقة قوة إلى مساحة خالية من السفن والتجارة. بمعنى آخر، هناك صوت من خارج المؤسسة العسكرية يقول إن القدرة على إحداث الضرر ليست بالضرورة دليلاً على نجاح الاستراتيجية.

هذا الصوت ليس معزولاً تماماً داخل إيران. هناك تيار يمكن وصفه بالبراغماتي أكثر من وصفه بـ«معسكر الحمائم»، يرى أن الدولة لا تستطيع أن تجعل الحرب حالة دائمة، وأن الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين لا يمكن أن يدفعا فاتورة مواجهة مفتوحة إلى ما لا نهاية. هؤلاء لا يرفضون أدوات القوة الإيرانية ولا يعارضون النظام، لكنهم يختلفون مع المتشددين حول كيفية استخدام هذه الأدوات، إذ هل الصواريخ والمسيرات وإغلاق المضيق والتعنت وسائل لتحسين شروط التفاوض، أم هي ماضية لتتحول إلى استراتيجية ضغط ومواجهة قائمة بذاتها؟!

هنا تحديداً يبدأ إزعاج روحاني للحرس الثوري والتيار المتشدد. فالمشكلة ليست في الدعوة إلى المفاوضات وحدها، لأن إيران تفاوضت في أصعب مراحلها، بل في الرواية التي يقدمها روحاني، حين يدفع بأن المفاوضات ليست ضعفاً، وأن إنهاء الحرب قد يكون حماية للمصلحة الوطنية، وأن الشعب الإيراني يجب أن يكون حاضراً في النقاش بدلاً من احتكار مجموعة محدودة للإعلام والقرار والرواية الرسمية.

لهذا أيضاً يربط روحاني بين الإعلام والأجهزة الأمنية والحرب والمفاوضات. حين يطالب بأن تكون المؤسسات فوق الحزبية، فهو يفتح ملفاً أوسع من السياسة الخارجية. هو يعترض على احتكار تعريف «المصلحة الوطنية» من طرف واحد، وعلى أن تصبح الرؤية العسكرية هي المعيار الوحيد لتحديد متى تحارب إيران ومتى تفاوض.

قد لا يمتلك روحاني اليوم سلطة القرار، وقد سبق للجناح المتشدد أن أبعده عن مواقع التأثير، وضيق عليه سياسياً، لكن صوته الآن يكتسب أهميته من توقيته. فكلما طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها، لن يبقى السؤال داخل إيران محصوراً في كيفية الصمود، بل ما الهدف الذي نريد الوصول إليه؟! وإلى سؤال شعبوي آخر بلسان الشعب الإيراني، إذ إلى متى سنعاني نحن أيضاً؟!

روحاني يقدم إجابته منذ سنوات، النهاية يجب أن تكون على طاولة المفاوضات. لكن متى يقتنع الجناح العسكري بأن ورقة القوة الحقيقية ليست في إغلاق هرمز، بل اللحظة التي يجب فيها فتحه، والجلوس على الطاولة وإنهاء هذا التأزم.

قد يختفي روحاني بعد أيام، وهذا أمر متوقع لكل من يعارض الحرس الثوري، ولن أقول مكتب المرشد كما يفترض سابقاً، لأن المرشد أصلاً مفقود ولا يعرف أحد عنه شيئاً، والحرس الثوري الإيراني هو صاحب القرار الأول والأخير.