بعض مما تواجهه منظومة العدالة الدولية اليوم هو أن ينجح شخص مطلوب في قضية جنائية أو مالية أو أخلاقية في مغادرة بلده أو يهرب منها بطريقة غير شرعية وبأسلوب المجرمين، ثم ينجح بعد ذلك في تغيير صفته أمام الرأي العام، فيتحول من «هارب من العدالة» إلى «ناشط» أو «معارض سياسي»، وكأن تغيير المسمى يلغي القضية أو الحكم أو حقوق المتضررين.
من هنا تكتسب الأرقام التي أعلنها الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية بمناسبة اليوم الدولي للتعاون الشرطي أهمية كبيرة.
البحرين سلمت خلال عام 2026 أحد عشر مطلوباً دولياً، واستلمت تسعة عشر هارباً من العدالة، إلى جانب تمرير 65 معلومة إلى تسع دول في قضايا المخدرات، كما استمر تعاونها الدولي في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الأرقام هذه تعكس تطوراً واضحاً في عمل وزارة الداخلية وفق مفهوم الأمن الحديث.
اليوم الجريمة نفسها لم تعد تعترف بالحدود؛ المجرم قد يقيم في دولة، ويدير أمواله من أخرى، وينفذ عملياته في ثالثة، ولذلك أصبح التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة ومع منظومات الشرطة الدولية وفي مقدمتها «الإنتربول» جزءاً أساسياً من الأمن الوطني.لكن هذا التعاون يواجه تحدياً أكثر تعقيداً، يتمثل في استغلال بعض المطلوبين قوانين اللجوء والحماية في دول أخرى لإعادة تقديم أنفسهم باعتبارهم ضحايا سياسيين، رغم أن أصل قضاياهم قد يكون جنائياً أو مالياً ولا علاقة له بحرية الرأي.هنا يجب أن يكون المعيار واضحاً. فاللجوء السياسي حق تحكمه قوانين وضمانات، لكن هذه الحماية لا ينبغي أن تصبح حصانة لمتهم أو محكوم في جريمة حقيقية، أو إرهابي في خطابه وأفعاله ونواياه.الأخطر أن بعض هؤلاء، بعد حصولهم على الإقامة أو الحماية وربما الجنسية، ينتقلون إلى مرحلة أخرى، فيستخدمون أراضي الدول المضيفة ومنصاتها للتحريض ضد دولهم الأصلية، واستهداف أشخاص ومؤسسات، وبث خطاب قائم على الكراهية والإقصاء والتمييز والتنمر والتطاول، وأحياناً بلغة تحمل مضامين تهديد وتحريض هي أقرب إلى ممارسة الإرهاب الصريح والدعوة له.
لهذا المطلوب من «الإنتربول» والأجهزة الأمنية والقضائية في الدول المختلفة المزيد من التدقيق في هذه الملفات، والفصل بين النشاط السياسي وحرية الرأي في إطارها الصحيح والسوي وبين الجريمة المثبتة والخطابات الإرهابية، وعدم السماح لكل هذا بأن يطغى على الحقائق القانونية.
ما تقوم به وزارة الداخلية في البحرين يؤكد امتلاكنا لمنظومة متكاملة تبدأ بالمعلومة والتعاون وتبادل الخبرات، وتمتد إلى ملاحقة المطلوبين بسبب جرائمهم عبر الحدود.
الرسالة هنا بسيطة، إذ من يرتكب جريمة يجب ألا يعتقد أن عبور المطار نهاية القضية، ولا أن تغيير البلد أو الصفة أو الخطاب كافٍ لتغيير الحقيقة. فالعدالة التي تمتلك ملفاً قانونياً قوياً وتعاوناً دولياً فاعلاً، تستطيع أن تجعل العالم أضيق كثيراً أمام الهاربين منها. وارجعوا لأرقام «الإنتربول» لتعرفوا عدد الذين يُقبض عليهم لأنهم هاربون من أحكام وتحولوا إلى داعين للإرهاب واستهداف الشعوب والدول.
اتجاه معاكسمن قمة المهازل.. عليه قضايا بتهم التخابر مع عدو صريح لوطنه، يهرب للخارج، يستفيد من ثغرات القوانين هناك، ويواصل عدو بلاده صرف الأموال عليه، لأنه ذيل وتابع يخدم أجندته. يمنح نفسه صفة «ناشط حقوقي»، والمضحك أن خطابه لا علاقة له بالحقوق ولا الإنسانية، خطاب يهاجم فيه كل أنواع البشر لمجرد اختلافهم معه، أو لأنهم مواطنون في دولة هو يعاديها. شخص يمارس التقسيم والتمييز والعنصرية الصريحة القائمة على الأجناس والمذاهب، ويستخدم لغة شوارعية موغلة في السب والتسقيط والقذف والفبركة والكذب بأسلوب الضعفاء، بعدها يصف نفسه بمدافع عن حقوق الإنسان! قصدك مدافع عن حقوق الإنسان الذي يحددها لك الذي يدفع لك كونك «مرتزقاً» عنده و«ذيلاً» تتبعه.