لماذا يبدو «شبه» التزامن بين الإعلان عن شروط الصين المسبقة لزيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الصين، وزيارة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان، إلى السعودية منطقياً.
الحراك الدبلوماسي الخليجي نشط في كافة الملفات الإقليمية والدولية، إلا أن بعضها يمتاز بأولويات خاصة، مثل آفاق الأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران، الملاحة في مضيق هرمز، مفهوم الأمن الخليجي المشترك، الأمن الاقتصادي والطاقوي، إعادة الاستقرار في عموم غرب آسيا المتصل بشبه الجزيرة العربية، وأخيراً ملفات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمُفترض انعقادها في 22 من سبتمبر الجاري.
ولذلك تحديداً تستوجب قراءة أي تحرك دبلوماسي عالي المستوى خليجياً ضمن السياق الإقليمي والدولي المتسارع. ومن هذه الزاوية، يبدو شبه التزامن بين الإعلان عن شروط بجين ومحددات الموقف الصيني قُبيل زيارة قاليباف في الملفات الإقليمية، وزيارة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان إلى السعودية، منطقياً في دلالته السياسية، حتى لو لم يكن بالضرورة نتيجة تنسيق مباشر أو ارتباط سببي معلن.
فالصين لم تعد شريكاً اقتصادياً فقط، بل باتت شريكاً استراتيجيا يسعى «جاهداً» إلى تثبيت صورة القوة القادرة على دعم الاستقرار، وحماية طرق التجارة والطاقة، وتعزيز التسويات عبر الحوار. ومنذ نجاح بكين في رعاية التقارب السعودي الإيراني (بطلب إيراني)، أصبح حضورها في حسابات الأمن الإقليمي أكثر وضوحاً. لذلك فإن أي شروط صينية معلنة، أو رسائل سياسية تصدر عنها حول خفض التصعيد، واحترام السيادة، ورفض التهديدات، أو حماية الملاحة، لا تُقرأ كمواقف عابرة؛ بل كمؤشرات على عزمها الجاد في الانخراط إقليمياً بما يضمن حماية مصالحها.
وفي المقابل، تأتي زيارة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى السعودية ضمن مناخ خليجي يبحث عن إعادة ترتيب الأولويات. فالدول الخليجية تواجه ملفات متشابكة، من أمن الملاحة والطاقة، مستقبل العلاقة مع إيران، التطورات الميدانية في اليمن، الحرب في غزة وتداعياتها، التنافس الدولي في البحر الأحمر، إضافة إلى متطلبات التكامل التنموي. وفي جميع هذه الملفات، تتمتع عُمان بخاصية دبلوماسية مهمة؛ فهي تحافظ على قنوات تواصل مفتوحة مع أطراف يصعب جمعها في مساحة واحدة، وتملك خبرة طويلة في الوساطة الهادئة وإدارة التوازنات الحساسة.
أما السعودية، فهي تقود في المرحلة الحالية مشروعاً واسعاً لإعادة تعريف أولوياتها الوطنية والإقليمية. فالاستقرار ليس بالنسبة للرياض عنواناً سياسياً عاماً فحسب، بل شرطاً مباشراً لنجاح تحولاتها الاقتصادية الكبرى، وجذب الاستثمار، وتعزيز محورية الجغرافيا والموارد السعودية في المعادلتين الإقليمية والدولية. لذا فإن التقارب والتنسيق مع مسقط من منظور مستقبل الأمن والملاحة في هرمز، ذلك بالإضافة لما تمثله موانئ عُمان العميقة المُطلة على خليج عُمان وبحر العرب من أهمية استراتيجية. وجملة هذا الحراك الدبلوماسي الخليجي يحمل دلالة تتصل بتكوين مقاربة خليجية أكثر صلابة، تستند إلى الحوار وخفض التوترات، من دون التفريط في مقتضيات الأمن والسيادة.
من هنا، فإن التزامن يبدو منطقياً لأن الرسالتين تتحركان في الاتجاه ذاته، فالصين تعلن، بصورة أو بأخرى، أنها تريد بيئة إقليمية مستقرة تحمي مصالحها؛ وعُمان والسعودية تناقشان على الأرجح كيفية إدارة هذه البيئة من داخل البيت الخليجي (بحكم الحدود المشتركة)، وبأدوات سياسية واقتصادية أكثر فاعلية. ولا يعني ذلك أن بكين تحاول رسم الأولويات الخليجية، وكذلك فرضية قبول دول الخليج العربية بوجود حالة من التزاحم القطبي الخشن في مياه الخليج العربي (الولايات المتحدة والصين في بحر الصين).
الدلالة الأهم هنا، هي أن الخليج العربي لم يعد مجرد ساحة تتلقى نتائج الصراعات الدولية، بل أصبح فاعلاً يملك هامشاً متزايداً في صياغة الترتيبات السياسية المحيطة به. ومن هنا تأتي أهمية الدبلوماسية العُمانية والتي يقودها صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان شخصياً وفي هذا التوقيت تحديداً.