تحتفي مملكة البحرين باليوم الدولي لمحو الأمية هذا العام، وهي تقف عند واحدة من أكثر المراحل تقدماً في مسيرتها التعليمية، بعدما نجحت في خفض الأمية إلى مستويات متدنية، ورفعت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة إلى مستويات تقترب من الشمول الكامل، مدعومة بمسيرة تعليمية بدأت مبكراً على مستوى المنطقة، وتطورت من محو الأمية بمعناه التقليدي إلى التعليم المستمر وتعليم الكبار، وصولاً إلى المهارات الرقمية والتعلم مدى الحياة.
ويكتسب الاحتفال هذا العام أهمية خاصة، إذ تحيي اليونسكو في 2026 الذكرى الستين لليوم الدولي لمحو الأمية، الذي أُعلن عنه للمرة الأولى عام 1966، فيما اختير لمناسبة هذا العام شعار يرتبط بمحو الأمية وتحقيق مصلحة الشعوب والأرض وبناء الازدهار، في توجه يتجاوز مفهوم القراءة والكتابة التقليدي إلى ربط محو الأمية بالتنمية والاستدامة والمهارات الحديثة. وتظهر أحدث البيانات الرسمية أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فأكثر بلغ 97.82% في عام 2024، مقابل 97.85% في 2023 و97.87% في 2022، وهو ما يعني أن معدل الأمية بين هذه الفئة يبلغ نحو 2.18% فقط. وتكشف البيانات عن تفاوت بين الجنسين، إذ بلغت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين الإناث البالغات 96.29%، مقابل 98.67% بين الذكور، فيما بلغ الإجمالي 97.82%. لكن الفارق يتقلص بصورة كبيرة عند النظر إلى الأجيال الأصغر، وهو مؤشر مهم على أثر التوسع في التعليم النظامي خلال العقود الماضية.
فقد بلغت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب في الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً 99.52% في 2024، بواقع 99.53% للإناث و99.51% للذكور، بما يعني أن الأمية في هذه الفئة لا تتجاوز نحو نصف في المئة.
أما الفئة العمرية 25 إلى 64 عاماً، فقد بلغت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة فيها 98.29%، بواقع 97.41% للإناث و98.73% للذكور. وتبرز المقارنة بين الفئات العمرية طبيعة التحول الذي شهدته البحرين. ففي الوقت الذي تبلغ فيه الأمية بين السكان البالغين 15 سنة فأكثر نحو 2.18%، تنخفض إلى أقل من 1% بين الشباب، ما يعكس انتقال المجتمع من مرحلة مكافحة الأمية إلى مرحلة ضمان استمرار التعلم وتطوير المهارات. وهذه الأرقام تضع البحرين في مجموعة الدول ذات المستويات المرتفعة جداً في محو الأمية، وتوضح أن التحدي الحالي لم يعد يتمثل في توسيع نطاق تعليم القراءة والكتابة للأطفال والشباب بقدر ما يتعلق بالوصول إلى الفئات المتبقية، خصوصاً كبار السن، والمحافظة على المهارات المكتسبة، وربطها بالمهارات الرقمية والوظيفية. وبلغ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر 84.79% في 2024، بواقع 74.37% للإناث و94.41% للذكور.
ولم تبدأ جهود البحرين في محو الأمية مع إنشاء البرامج الحكومية الحديثة، بل تمتد جذورها إلى مرحلة مبكرة من تاريخ التعليم الأهلي والاجتماعي في المملكة.
وبدأت جهود محو الأمية وتعليم الكبار في البحرين في ثلاثينيات القرن الماضي من خلال مبادرات أهلية، أسهمت في حشد المجتمع حول التعليم ومحو الأمية.
وبحلول العام الدراسي 1966–1967 كانت هناك مراكز عديدة لتعليم القراءة والكتابة وتعليم الكبار للنساء، وبلغ عدد الدارسات فيها 3,855 دراسة. وهذه البداية المبكرة تمثل أحد أبرز جوانب التجربة البحرينية، إذ لم يكن تعليم الكبار ومحو الأمية مجرد استجابة متأخرة لمشكلة اجتماعية، وإنما تطور تدريجياً بالتوازي مع نشوء الحركة التعليمية الحديثة في البلاد. وتستند تجربة البحرين في مكافحة الأمية إلى قاعدة أوسع تتمثل في التأسيس المبكر للتعليم النظامي.
ففي عام 1919 بدأ التعليم العام الرسمي في المملكة مع افتتاح مدرسة الهداية الخليفية، ليشكل ذلك نقطة انطلاق للتوسع في التعليم النظامي. ولم يتوقف التوسع عند تعليم الذكور، إذ افتتحت أول مدرسة حكومية للبنات عام 1928، وهو ما شكّل خطوة مبكرة في اتجاه إتاحة التعليم للمرأة في المنطقة. وبذلك يمكن فهم ارتفاع معدلات محو الأمية الحالية باعتباره نتيجة لمسار طويل بدأ منذ أكثر من قرن، وليس نتيجة برنامج واحد أو حملة مؤقتة.
وفي عام 1973 تولت وزارة التربية والتعليم مسؤولية محو الأمية وتعليم الكبار، وأنشأت جهازاً متخصصاً لهذا الغرض، قبل أن تتطور البنية الإدارية لاحقاً إلى إدارة تعليم الكبار، ثم إلى إدارة التعليم المستمر عام 2005.
وكان تغيير المسمى في حد ذاته يعكس تحولاً في فلسفة التعامل مع الأمية؛ فالمسألة لم تعد مجرد تعليم الشخص القراءة والكتابة، بل أصبحت مرتبطة بمفهوم التعليم مدى الحياة، وإتاحة فرص التعليم والتدريب لمختلف فئات المجتمع. وفي مراحل سابقة، اعتمدت الوزارة على شبكة من المراكز التعليمية المسائية، حيث بلغ عددها 23 مركزاً تعليمياً مسائياً ونحو 240 معلماً ومعلمة، مع توفير الكتب والمواصلات بصورة مجانية للدارسين.
ومن أبرز ما يميز التجربة البحرينية أنها لم تتعامل مع محو الأمية باعتباره نهاية المسار التعليمي.
فالبرامج تطورت لتتيح للدارس الانتقال من مرحلة محو الأمية إلى مراحل تعليمية أعلى، وصولاً إلى استكمال التعليم، إلى جانب برامج لخدمة المجتمع وتعليم اللغات والمهارات الأساسية. وشملت برامج التعليم المسائي مراحل تبدأ من محو الأمية، ثم المتابعة والتقوية، وصولاً إلى التعليم الثانوي المسائي.
وهذا النهج مهم لأنه يحول دون التعامل مع المتعلم باعتباره «حالة أمية» فقط، وإنما باعتباره شخصاً يمكنه العودة إلى المسار التعليمي واستكماله. وتملك البحرين سجلاً من المراكز المتقدمة في مؤشرات التعليم ومحو الأمية على المستوى العربي. ففي تقارير دولية سابقة حول التعليم للجميع، جاءت البحرين في مقدمة الدول العربية في قرائية الكبار، كما كانت ضمن مجموعة الدول ذات الأداء المرتفع في تحقيق أهداف التعليم للجميع. وفي نتائج منشورة عام 2011، احتلت البحرين المرتبة الأولى عربياً في مؤشر القرائية ومحو الأمية، كما جاءت ضمن مجموعة الدول ذات الأداء العالي من أصل الدول التي شملها التقييم. وهنا يجب التفريق بين المراكز التاريخية والبيانات الحالية؛ فهذه التصنيفات تعود إلى تقارير ومؤشرات سابقة، بينما تعكس الأرقام الحديثة مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة في البحرين في السنوات الأخيرة. ومن الجوانب اللافتة في التجربة البحرينية أن مسار التعليم لم يكن موجهاً إلى الرجال فقط.
وتظهر بيانات 2024 أن الفارق بين الذكور والإناث في الإلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب 15–24 عاماً أصبح شبه معدوم؛ إذ بلغت النسبة 99.53% للإناث مقابل 99.51% للذكور. وهذا الفارق البالغ 0.02 نقطة مئوية فقط يعكس مستوى مرتفعاً للغاية من التكافؤ بين الجنسين في الجيل الشاب. أما بين البالغين 15 سنة فأكثر، فما زالت هناك فجوة أكبر، إذ بلغت النسبة 96.29% للإناث مقابل 98.67% للذكور، وهي فجوة ترتبط بدرجة كبيرة بالأجيال الأكبر سناً.
ولم تتوقف البحرين عند مفهوم القراءة والكتابة التقليدي، بل بدأت مبكراً في طرح مفهوم الأمية المعلوماتية والحاسوبية.فقد تطورت برامج التعليم المستمر لتشمل أساسيات استخدام الحاسوب وتوظيف التكنولوجيا في الحياة اليومية، بالتوازي مع برامج التعليم الأساسي. وهذا يتوافق مع التطور العالمي في مفهوم محو الأمية؛ فمحو الأمية في العصر الرقمي لم يعد يعني القدرة على القراءة والكتابة على الورق فقط، بل يشمل القدرة على الوصول إلى المعلومات وفهمها وتقييمها والتواصل واستخدام البيئة الرقمية بصورة آمنة ومسؤولة. ومن العناصر التي تمنح البحرين خصوصية في هذا المجال ارتباط تجربة التعليم لديها منذ سنوات بالتكنولوجيا.
ومن أبرز النماذج جائزة اليونسكو – الملك حمد بن عيسىآل خليفة لاستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال في مجال التعليم، التي تأسست عام 2005 بدعم من مملكة البحرين لتكريم المبادرات والأفراد الذين يستخدمون التكنولوجيا لتطوير التعليم. ورغم أن الجائزة ليست جائزة لمحو الأمية بالمعنى التقليدي، فإنها تعكس انتقال الاهتمام البحريني من إتاحة التعليم الأساسي إلى استخدام التكنولوجيا لتوسيع فرص التعلم، وهو اتجاه يتقاطع اليوم مع مفهوم محو الأمية الرقمية.
ويمكن تلخيص أبرز خصوصيات التجربة البحرينية في عدة نقاط:أولاً: البداية المبكرة:
التعليم النظامي الحكومي بدأ عام 1919، وهو ما وفر قاعدة مبكرة لمواجهة الأمية قبل أن تتحول إلى مشكلة مزمنة يصعب علاجها.ثانياً: الاهتمام المبكر بتعليم المرأة: افتتاح أول مدرسة حكومية للبنات عام 1928 منح المرأة موقعاً مبكراً في منظومة التعليم النظامي، وهو ما انعكس لاحقاً على مستويات محو الأمية بين الإناث.ثالثاً: إشراك المجتمع المدني في البدايات: بدأت جهود محو الأمية وتعليم الكبار بمبادرات مجتمعية في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تتطور إلى منظومة حكومية منظمة.رابعاً: الانتقال من محو الأمية إلى التعليم مدى الحياة: تحول جهاز محو الأمية وتعليم الكبار إلى إدارة التعليم المستمر عام 2005 يعكس تغييراً في الفلسفة من «القضاء على الأمية» إلى توفير فرص مستمرة للتعلم.خامساً: ارتفاع مستوى التكافؤ بين الشباب: وصول الإلمام بالقراءة والكتابة إلى 99.52% بين الشباب، مع فارق 0.02 نقطة فقط بين الذكور والإناث، من أبرز مؤشرات نجاح التوسع في التعليم عبر الأجيال.سادساً: إدخال البعد الرقمي: انتقلت التجربة من القراءة والكتابة التقليدية إلى المهارات المعلوماتية والتكنولوجية، بما يتماشى مع التحول العالمي في تعريف مفهوم الأمية.
وبذلك يتحول مفهوم محو الأمية من مجرد القدرة على قراءة جملة أو كتابة اسم إلى القدرة على إدارة الحياة اليومية في مجتمع يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا.
وتكشف مسيرة البحرين في محو الأمية عن تجربة تراكمية بدأت بالتعليم النظامي في وقت مبكر، ثم انتقلت إلى تعليم الكبار ومحو الأمية، ثم التعليم المستمر، وصولاً إلى المهارات المعلوماتية والرقمية. والرقم الأبرز اليوم ليس فقط وصول معدل الإلمام بالقراءة والكتابة إلى 97.82%، وإنما وصوله إلى 99.52% بين الشباب، مع شبه اختفاء الفجوة بين الذكور والإناث في هذه الفئة.
ومع دخول العالم مرحلة جديدة من تعريف مفهوم «محو الأمية»، فإن التحدي البحريني المقبل يتمثل في الانتقال من محو الأمية الأبجدية إلى محو الأمية الرقمية والمعلوماتية والوظيفية، مع توجيه اهتمام أكبر إلى كبار السن، خصوصاً النساء، لضمان ألا تتحول الفجوة التعليمية التاريخية إلى فجوة رقمية في المستقبل. وبذلك، فإن تجربة البحرين في محو الأمية لا تختصر في انخفاض نسبة الأمية، وإنما تتمثل في مسار تعليمي بدأ مبكراً، واستمر عبر مؤسسات الدولة والمجتمع، وتطور من تعليم القراءة والكتابة إلى التعليم المستمر والتكنولوجيا والتعلم مدى الحياة.