أعجبني عنوان مقال المحامية فاطمة بن رجب: «قانون الأسرة.. المراجعة تحمي الإنجاز ولا تنتقص منه»، تعقيباً على مقالي «ضرورة المراجعة»، وكذلك ما جاء في مقال المحامية جنان أنور حسن تعقيباً على ذات المقال «مراجعة قانون أحكام الأسرة.. ضرورة يفرضها الواقع العملي»؛ إذ أكّدتا كمحاميتين أنه بعد التطبيق تبيّن أن هناك أوجهاً تحتاج إلى تطوير، وذلك لا ينتقص من الإنجاز في إصداره شيئاً.

إنّ التطبيق هو المحكّ الأكبر مقارنة بالنص بحد ذاته؛ فأثناء التطبيق تكتشف قوة النص وتماسكه، كما تكتشف أوجه قصوره وثغراته، وبدون التطبيق لا يمكنك إطلاق الحكم النهائي أو الاكتفاء بما جاء به النص للحكم على كماله ومتانته.

فمثلاً، هناك ملاحظة تؤكد وجود أعداد كبيرة من حالات المساس بالوضع الاجتماعي للأطفال بعد الطلاق، ومن أهم مؤشراتها نقل الأطفال من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية بعد تطبيق قانون 2017، واختلاف مسكنهم وحالتهم الاجتماعية بكل متطلباتها. ألا يحتاج الأمر إلى وقفة مراجعة والتأكد من هذا الواقع، حتى لا نتحدث بناءً على مجرد انطباعات، بل نكون على بينة؟ فإن ثبت ذلك فعلاً، فلا بد أن يُطرح السؤال عن دور القانون في هذا الضرر الذي لحق بالأبناء جراء الخلاف بين الوالدين ولم يمنحهم القانون الحماية التي كان من المفروض أن يحققها لهم.

أعرف حالة انتقل فيها الأبناء مع الأم إلى شقة بالإيجار بعد الطلاق الذي أقامه الزوج، وتوقف الأب عن دفع أقساط المدرسة، ثم تزوج ثانية، وسكن مع زوجته الجديدة في بيت كبير، وقدّم للمحكمة مستندات تدّعي أنه لا يستطيع دفع أقساط المدارس. وبعد أن كان وضع الأبناء الاجتماعي متمثلاً في بيت كبير وسائق، وخدم قبل الطلاق، اكتفى القاضي بتقدير «حد الكفاية» للأبناء، فمنح كل منهما 120 ديناراً فقط، و100 دينار لسكنهم! ولكن هذا الزوج بات يساوم أبناءه بأنه إن تركوا أمهم وسكنوا معه، فسيعود وضعهم الاجتماعي كما كان.

هل كان الأب سيجرؤ على «المساس بالوضع الاجتماعي» للأبناء لو كان في النص ما يحمي هذا الحق؟ أم أن النص الذي قرر أن «حد الكفاية» هو القدر المطلوب كان منجاة لرجل أراد الانتقام من زوجته بالضغط على أبنائه؟

وهل تُعدّ الأم «متعسفة» في طلباتها إن هي طلبت أن يبقى الوضع الاجتماعي لأبنائها على ما كان عليه قبل الطلاق؟تلك واحدة من الثغرات التي تحتاج فعلاً إلى مراجعة في النص، وقد ظهرت ضرورة مراجعتها بعد التطبيق وتبين إمكانية الاستغلال السيئ للقانون.

وكذلك أثبت التطبيق أن مساحة القاضي للاجتهاد - سواء بحرية الاستعانة بالآراء الفقهية، وهي مساحة قد تتسع حتى تبتعد عن النص، أو قد تضيق لتردده في استخدامها؛ لأنها غير ملزمة في حالات أخرى- لم تساهم في تقليل مدة التقاضي، وأسفرت عن حالات تأخير كثيرة.

هذه بعض النقاط، وهناك العديد منها، إنما المهم أنه كما قالت الأخت فاطمة: «قانون الأسرة.. المراجعة تحمي الإنجاز ولا تنتقص منه».