قبل أربعة أيام تحديداً، كان وزير الخارجية السعودي صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود يجري اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والموضوع المعلن للاتصال كان مستجدات المنطقة والجهود الرامية إلى تعزيز أمنها واستقرارها.

بعد يومين فقط، كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي أطلقها الحوثيون تضرب أبها وجازان ونجران وخميس مشيط، وتصيب منشآت للطاقة وتوقع 73 مصاباً بين المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

هذه المفارقة وحدها تختصر جزءاً كبيراً من المشكلة التي تعيشها منطقتنا مع النظام الإيراني منذ سنوات، والتي أصبحت أكثر وضوحاً خلال الشهور الماضية.

طهران تتحدث حين تحتاج إلى التهدئة، وتتفاوض حين تضيق عليها الخيارات، وترسل الرسائل الدبلوماسية حين تقتضي مصلحتها ذلك، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ دائماً بالمسار الآخر مفتوحاً، ونعني هنا الصواريخ والمسيّرات والميليشيات والجماعات المسلحة والشبكات التي تعمل بالوكالة.

لنكن دقيقين أكثر، إيران تقوم على إنشاء جماعات مسلحة، وتسليحها وتمكينها وتوفير الخبرة والغطاء السياسي لها، ثم الاحتفاظ بمسافة تسمح بإنكار المسؤولية عندما يصبح الثمن مرتفعاً.

نعرف تماماً أن الحوثي ذراع ينفذ الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. وكذلك الميليشيات والخلايا في العراق.

في يونيو كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى ثمانية مصادر عراقية، عن خلايا سرية أنشأها الحرس الثوري داخل العراق لتنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة على دول خليجية بينها السعودية والكويت والإمارات، وأن بعضها كان يرتبط مباشرة بالحرس الثوري بعيداً حتى عن شبكات الميليشيات التقليدية. وفي يوليو أعلنت السعودية اعتراض مسيّرات انطلقت من العراق باتجاه منشآت نفطية داخل المملكة، قبل أن تتحدث تقارير أخرى عن تنسيق متزايد بين الحوثيين وجماعات مسلحة عراقية مرتبطة بإيران.

حين نضع هذه الوقائع إلى جوار ما جرى لدينا في البحرين وأيضاً الكويت، وما شهدناه من استهداف للملاحة والمنشآت وتهديد متكرر لأمن الطاقة في الخليج، نجد أننا أمام طريقة عمل واحدة تتغير فيها الأسماء والمواقع، بينما يبقى مركز الثقل السياسي والعسكري واحداً. شهدت الأشهر الماضية هجمات إيرانية مباشرة على دول في المنطقة، بالتوازي مع نشاط جماعات مرتبطة بها في اليمن والعراق، فيما بقي مضيق هرمز نفسه أداة ضغط وتهديد كلما اشتدت المواجهة مع الولايات المتحدة.

الشقيقة السعودية بخصوص هذه الحرب، كانت من أكثر الأطراف حرصاً على إبقاء أبواب الاتصال والتهدئة مفتوحة. الرياض تحدثت مع طهران، ودعمت المساعي الدبلوماسية، ورحبت في يونيو بمحاولات إنهاء العمليات العسكرية والعودة إلى المفاوضات، واستمرت قنوات التواصل بين وزيري خارجية البلدين حتى قبل الاعتداء الحوثي الأخير بأيام قليلة.

المشكلة في النظام الإيراني هو تعامله مع الدبلوماسية باعتبارها أداة ضمن أدوات الصراع وليست بديلاً عنه. الاتصالات لا تتوقف، والمفاوضات يفترض أنها مستمرة، والتصريحات تتحدث عن حسن الجوار، وفي مكان آخر تتحرك المسيّرات والصواريخ. وهذه الازدواجية هي التي جعلت الثقة بطهران على مدى عقود مسألة شديدة الصعوبة.

التعامل مع هذا النظام يجب أن يُبنى على ما يفعله لا على ما يقوله، وعلى التحقق والردع. وأي تفاهم مستقبلي معه لن تكون له قيمة حقيقية إذا اقتصر على طاولة التفاوض وترك الصواريخ والميليشيات والأذرع المسلحة خارجها.

الشقيقة السعودية، أمنها جزء أساسي من أمن الخليج كله، وما يستهدفها يستهدفنا جميعاً. فالتجربة التي عشناها جميعاً خلال الشهور الماضية أثبتت أن التهديد واحد مهما تغيّرت وجهات الأهداف.

إذا كان النظام الإيراني يريد من المنطقة أن تصدّق حديثه عن السلام وحسن الجوار، فليبدأ بما هو أبسط من الخطب والتصريحات؛ ليوقف أذرعه الإرهابية، وينزع الصواريخ من أيدي وكلائه، ويتوقف هو قبلهم عن استهداف دولنا.

أما أن تكون يد تمسك بالهاتف وتتحدث بدبلوماسية عن الاستقرار، فيما تبقى اليد الأخرى قريبة من الزناد، فقد جربت منطقتنا هذه السياسة طويلاً، ودفعت ثمنها كثيراً، ولم يعد من الحكمة أن تؤتمن طهران مرة أخرى.