نفتح الهاتف لمشاهدة مقطع واحد، أو ربما للرد على رسالة أو البحث عن معلومة سريعة، ثم يقودنا مقطع إلى آخر، وخبر يتبعه تعليق، ووصفة طعام تسبق نصيحة مالية، ثم قصة إنسانية، فمشهد محزن ثم مقطع مضحك، وفي دقائق قليلة نكون قد انتقلنا بين عوالم لا يجمع بينها شيء سوى حركة إصبع لا تتوقف على الشاشة. هكذا أصبح (التمرير) واحداً من أكثر السلوكيات اليومية اعتياداً في عصرنا. فقبل سنوات ليست بعيدة، كان الوصول إلى المعرفة والترفيه يحتاج إلى قدر أكبر من الوقت والصبر.
أما اليوم، فقد أصبحت السرعة جزءاً من طبيعة المحتوى نفسه، حتى باتت عبارة «الخلاصة في دقيقة» وعداً مغرياً لجمهور يعيش تحت ضغط الوقت وكثرة الخيارات. وليس غريباً أن يحدث ذلك، فنحن نعيش داخل ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لم تعد المنافسة الرقمية تدور فقط حول جودة المنتج أو الخدمة، بل أيضاً حول الزمن الذي يستطيع المحتوى أن ينتزعه من يوم المستخدم. ولهذا جاءت خصائص مثل التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي والإشعارات والتوصيات التخصصية، لتجعل الانتقال إلى المحتوى التالي سهلاً وفورياً.
ومع تسارع هذا الإيقاع، يظهر أثره في الجانب النفسي للإنسان وسلوكه، فطبيعتنا تميل إلى الانجذاب لكل ما هو جديد ومفاجئ، ومع الاعتياد على هذا التدفق السريع والمتواصل قد تصبح الأنشطة التي تتطلب وقتاً وصبراً أقل تحفيزاً، فهل تراجعت قدرتنا على التركيز فعلاً؟ وكم مرة بدأنا قراءة مقال ثم تركناه بعد بضعة أسطر، أو شاهدنا فيلماً بينما نتفقد الهاتف، أو حاولنا إنجاز مهمة واحدة فقاطعتها رسالة أو إشعار؟ ولكن لا تكفي هذه المواقف اليومية للقول إن المحتوى القصير «قتل» قدرتنا على التركيز، فالأمر أكثر تعقيداً ويتداخل مع عوامل عديدة، مثل تعدد المهام وكثرة الإشعارات وعادات النوم وطريقة استخدام الأجهزة، إلا أنها تكشف تحولاً واضحاً في علاقتنا بالانتباه، إذ أصبح الحفاظ على التركيز في إنجاز عمل واحد أكثر تحدياً وسط بيئة رقمية اعتدنا فيها السرعة والتجدد المستمر.
فالمحتوى القصير أصبح أيضاً نافذة للأخبار والمعرفة والتعلم، ففي الولايات المتحدة مثلاً، وجد مركز بيو للأبحاث أن 14% من الشباب والمراهقين كانوا يحصلون بانتظام على الأخبار من TikTok في عام 2023، وهذه النتيجة تكشف اتجاهاً يستحق الانتباه: (الفيديو القصير أصبح جزءاً من البيئة المعرفية لجيل كامل) ومن هنا لم يعد التحدي منع الشباب والمراهقين من استخدام المنصات، وهو هدف غير واقعي أساساً، وإنما مساعدتهم على التمييز بين المحتوى الذي يفتح باباً للمعرفة، والمحتوى الذي يكتفي بجذب الانتباه من دون أن يضيف معرفة حقيقية.
فقد يستطيع مقطع فيديو قصير أن يعرّفنا بكتاب، أو يشرح مفهوماً علمياً، أو يقودنا إلى حدث تاريخي لم نسمع به من قبل، وهذه قيمة لا يمكن إنكارها. لكن الوصول السريع إلى المعلومة لا يعني بالضرورة فهمها،؛ فالقضايا المعقدة تحتاج إلى سياق وتفاصيل ومقارنة ومصادر ووقت.
والخطر ليس في أن نتعلم شيئاً في 60 ثانية، بل في أن نعتقد أن 60 ثانية كانت كافية لمعرفة كل شيء عنه.
ويمتد تأثير هذا النمط من الاستخدام إلى ساعات النوم والراحة أيضاً. فقد أشارت دراسات علمية إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي ومشكلات النوم لدى الشباب. وبالتالي لم تعد الشاشة ترافقنا خلال ساعات النهار فحسب، بل وصلت إلى تلك الدقائق التي تسبق النوم وتلك التي تلي الاستيقاظ.
ختاماً.. فنحن أمام تحول ثقافي وتكنولوجي يعيد ترابط علاقتنا بالوقت والمعلومة والملل والتركيز. لقد منحنا المحتوى القصير سرعة مذهلة في الوصول إلى العالم، وفتح أبواباً للتعلم والإبداع لم تكن متاحة بهذه السهولة، لكنه في المقابل يدعونا للتفكير في عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة. فوسط عالم يتسابق على اختصار كل شيء، تكون قدرتنا على التمهل والانتباه من أهم ما نحتاج إلى الحفاظ عليه اليوم.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي