أربعة عشر عاماً. هذا هو الرقم الذي بقي معي بعد قراءة خبر الحادث. في أخبار الحوادث تستوقفنا عادة تفاصيل ما حدث وكيف حدث، لكن العمر هذه المرة سبق عندي كل التفاصيل. أربعة عشر عاماً فقط. ومنذ ذلك الخبر وأنا أفكر، لا في الحادث وحده، بل في اللحظة التي سبقته، تلك اللحظة التي يبدو فيها الطريق عادياً، والمشوار قصيراً، والقرار أبسط من أن نتوقف عنده طويلًا. لا شيء في تلك اللحظة يقول إن الدقائق التالية ستكون مختلفة، وربما هنا تكمن قسوتها.
ففي ذلك العمر لا يبدو الخطر دائماً قريباً، حتى وإن عرفنا أنه موجود، وتمنحنا الثقة شعوراً خفياً بأن ما نسمع عنه كل يوم يحدث في حياة الآخرين أكثر مما يمكن أن يحدث في حياتنا. جملة صغيرة تختصر هذا كله، وقد لا تُقال حتى بصوت مرتفع (لن يحدث لي شيء).
ومنذ أن استقرت هذه الجملة في ذهني، بدأت أنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة. أدركت أن المسألة ليست في عدد المرات التي نقول فيها للصغير: لا تسرع، لا تعبر من هنا، لا تفعل. كل هذا مهم، لكنه سيكبر، وستكبر معه مساحة الاختيار، وستأتيه مواقف لم نحذره منها، وربما لم تخطر لنا أصلاً. ولن تكون إلى جواره في كل مرة إجابة جاهزة أو يد تعيده إلى الخلف. عندها لن يكون المهم كم مرة سمع كلمة (لا)، بل ماذا بقي منها في داخله عندما أصبح القرار قراره. هل تعلّم أن يتوقف قليلاً قبل أن يندفع، وأن يفكر فيما قد يترتب على اختياره؟ ومن هنا لم يعد «السكوتر» بالنسبة إليّ هو القضية كلها، إنه مجرد موقف مبكر من مواقف كثيرة سيجد فيها هذا الصغير نفسه، يوماً ما، وحده أمام قراره.
اليوم قد تكون المغامرة على «السكوتر»، وبعد سنوات قد يكون أمام الفتى مفتاح سيارة قبل أن يبلغ السن القانونية للقيادة. تغيرت الوسيلة وكبر صاحبها، لكن لحظة الاختيار بقيت. والفرق كبير بين فتى يترك المفتاح لأنه يخشى أن يراه أحد، وفتى يتركه وهو يعرف أن أحداً لا يراه. في الحالة الثانية فقط نعرف أن شيئًا مما زرعناه قد بقي. وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للوعي، ألا نربي أبناءنا على انتظار الرقيب، بل على أن يكون لديهم ما يكفي من القناعة ليتوقفوا من تلقاء أنفسهم.
فنحن لا نستطيع أن نتوقع كل موقف سيواجهونه، ولا أن نكتب لهم تعليمات لكل طريق سيمشون فيه. سيأتي وقت يصبح فيه الاختيار لهم، وما نأمله حينها أن يكون ما قلناه لهم طوال السنوات قد تجاوز حدود النصيحة، وأصبح جزءاً من طريقة تفكيرهم.
وبصراحة، فإن قرار معالي وزير الداخلية رقم 58 لسنة 2026، الذي صدر بعد الحادث لينظم استخدام الدراجات والسكوترات الكهربائية، يستحق الإشادة والتقدير. فقد وضع ضوابط واضحة لحماية مستخدمي هذه الوسائل، ولا سيما صغار السن، في خطوة تحسب لمعالي الوزير وتعكس حرصاً واضحاً على سلامة أبنائنا. وحين يتعلق الأمر بأرواحهم، فإن حزم القانون ليس تقييدًا لهم، بل حماية لهم.
وهذا هو دور القانون: أن يقول (لا تفعل). وما نرجوه أن يأتي يوم يقول فيه الصغير لنفسه (لن أفعل)، حتى عندما لا يراه أحد. بين العبارتين مسافة صغيرة في اللغة، لكنها كبيرة في التربية، فالأولى تحتاج إلى رقيب، أما الثانية فتعني أن الرقيب أصبح في الداخل.