- - فاطمة المختار: التجميل ليس دائماً الهدف.. أحياناً تكون الجراحة ضرورية
- - فاطمة الجفيري: لا تجعلوا صور «السوشيال ميديا» معياراً لنتائج التجميل
- - ندى اليوسف: العين السليمة لا تستحق المخاطرة من أجل تغيير لونها
لم تعد عمليات التجميل تقتصر على شد الوجه أو تعديل الأنف أو تحسين ملامح الجسم، بل امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى منطقة شديدة الحساسية والدقة: العين والجفون ومحيطها، في ظل انتشار صور المشاهير والمؤثرين ومقاطع «قبل وبعد» على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي البحرين، تلاحظ استشاريات طب وجراحة العيون ارتفاعاً في الاهتمام بالإجراءات المتعلقة بالجفون ومحيط العين، سواء لأسباب وظيفية وطبية أو بدافع تجميلي بحت، بالتزامن مع تنامي الوعي بوجود تخصصات دقيقة تُعنى بجراحة تجميل وترميم العين ومحجرها.
لكن الوجه الآخر لهذا الاهتمام يظهر مع انتشار «ترندات» أكثر خطورة، أبرزها محاولات تغيير لون العين بصورة دائمة، سواء من خلال زراعة قزحية تجميلية، أو استخدام الليزر لتغيير التصبغ، أو ما يعرف بـ«وشم القرنية» أو تصبغها تجميلياً.
وهنا تبرز المفارقة؛ فبينما يمكن لبعض جراحات الجفون أن تعالج مشكلة وظيفية تؤثر في مجال الرؤية، أو تعيد للجفن وظيفته الطبيعية، فإن إجراءات أخرى تستهدف عيناً سليمة ومبصرة فقط بهدف تغيير شكلها، وقد تحمل مخاطر تصل إلى فقدان البصر.
وتحذر أوساط طبية عالمية من أن التدخلات التجميلية حول العين ليست كغيرها من الإجراءات، نظراً إلى حساسية الأنسجة المحيطة بالعين وارتباطها بالرؤية. كما تشير مصادر طبية أمريكية إلى أن بعض إجراءات الليزر قرب العين قد تسبب إصابات عينية عند عدم الالتزام باحتياطات السلامة، وأن تلف بعض أنسجة العين قد يكون دائماً.
الجفون.. عندما يكون التجميل علاجاً وليس «ترنداً»
تؤكد د. فاطمة المختار، استشارية جراحة العيون المتخصصة في جراحة محجر العين وجراحة تجميل العين وأورام العين وتجميل الوجه، أن هناك اهتماماً ملحوظاً في البحرين والخليج خلال الفترة من 2024 إلى 2026 بالإجراءات المتعلقة بمنطقة العين والجفون.
وتوضح أن هذا الاهتمام يتماشى مع زيادة الإقبال عالمياً على هذا النوع من العمليات، باعتبار أن العين من أكثر مناطق الوجه تأثيراً في المظهر والتعبير، وأن تغييراً بسيطاً في الجفون أو الحاجبين يمكن أن يحدث فرقاً واضحاً في شكل الوجه.
وتشير إلى أن من أبرز الإجراءات التي يطلبها المراجعون تجميل الجفن العلوي والسفلي، ومعالجة ترهل الجفون والانتفاخات، ورفع الحاجب في الحالات المناسبة، وتصحيح تدلي الجفن، إلى جانب بعض الإجراءات غير الجراحية حول العين لتحسين جودة الجلد.
واللافت، بحسب د. فاطمة، أن الإقبال لم يعد مقتصراً على كبار السن، إذ أصبحت العيادات تستقبل أشخاصاً أصغر سناً يعانون مشكلات وراثية، مثل بروز الدهون أو الأكياس تحت العين، كما لم يعد الاهتمام حكراً على النساء، مع زيادة إقبال الرجال أيضاً.
لكنها تشدد على أن العمر ليس العامل الذي يحدد الحاجة إلى الجراحة، وإنما الحالة التشريحية، والشكوى، والصحة النفسية، والهدف من الإجراء، وصحة العين.
بين «التجميل» و«الضرورة الطبية».. خيط رفيع
وتوضح د. فاطمة المختار أن وضع جميع جراحات الجفون تحت مسمى «عمليات تجميل» يمثل اختزالاً غير دقيق، فهناك حالات يكون الهدف منها وظيفياً بالدرجة الأولى.
فترهل الجفن العلوي، على سبيل المثال، قد يصل إلى درجة تؤثر في مجال الرؤية، بينما يمكن لتدلي الجفن أن يؤثر في الرؤية أو يدفع المريض إلى تغيير وضعية الرأس أو الحاجبين للتعويض عن المشكلة.
وفي حالات أخرى يكون الدافع تجميلياً، مثل الجلد الزائد أو أكياس الدهون أو مظهر الإرهاق حول العين، بينما يجتمع العاملان الوظيفي والجمالي لدى بعض المرضى.
وهنا تبدأ أهمية التشخيص؛ إذ قد يأتي المريض طالباً إزالة الجلد الزائد، بينما تكشف الفحوص أن المشكلة الأساسية مرتبطة بتدلي الحاجب أو الجفن، ما يعني أن إزالة الجلد وحدها لن تكون الحل الصحيح.
وتؤكد د. فاطمة الجفيري، استشارية طب وجراحة العيون وزميلة جراحات العيون التجميلية والتقويمية، أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة واضحة في الإقبال على جراحات الجفون ومحجر العين في البحرين، سواء لأسباب طبية أو تجميلية.
وترى أن ارتفاع الطلب لا يعني بالضرورة زيادة انتشار الأمراض، وإنما يعكس أيضاً ارتفاع وعي المجتمع بوجود هذا التخصص وإمكانية علاج مشكلات كان المرضى في السابق يتعايشون معها.
وتشير إلى أن الحالات تشمل تدلي الجفن، وإزالة الجلد الزائد وترهل الجفون، وانقلاب الجفن إلى الداخل أو الخارج، ومشكلات القنوات الدمعية، إضافة إلى حالات أكثر تخصصاً مرتبطة بمحجر العين، مثل جحوظ العين ومرض العين الدرقي وأورام المحجر والإصابات والكسور.
عندما يصبح «الفيلتر» معياراً للجمال
غير أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت أيضاً طريقة نظر بعض المرضى إلى نتائج العمليات.
فبحسب الطبيبتين، أصبح بعض المراجعين يدخلون إلى العيادة بصورة لمشاهير أو مؤثرين، ويطلبون الحصول على النتيجة نفسها، متجاهلين أن شكل العين لا يعتمد على الجفن وحده، بل يتأثر بشكل الوجه وعظام محجر العين والحاجب والدهون والأنسجة المحيطة، فضلاً عن الاختلافات التشريحية الطبيعية بين الأشخاص.
وتحذر د. فاطمة الجفيري من أن صور مواقع التواصل قد تتأثر بالإضاءة وزوايا التصوير والفلاتر والتعديلات الرقمية، كما أن الصورة المنشورة قد لا تمثل النتيجة النهائية للعملية.
وتقول إن السؤال الأهم قبل التفكير في الجراحة يجب ألا يكون: «كيف أجعل عيني مثل هذه الصورة؟»، وإنما: «ما المشكلة التي أريد علاجها، وما النتيجة التي تناسب وجهي أنا؟»
وتتفق د. فاطمة المختار مع ذلك الرأي، مؤكدة أن دور الطبيب لا يقتصر على تنفيذ رغبة المريض، وإنما يبدأ بتحديد ما إذا كان التغيير المطلوب مناسباً له أصلاً، وما إذا كان يحتاج إلى تدخل جراحي.
«لا».. قد تكون القرار الطبي الصحيح
وفي عالم يروّج فيه لبعض الإجراءات باعتبارها سهلة وسريعة، تشدد د. المختار على أن الطبيب يجب ألا يتردد في رفض العملية عندما تكون مصلحة المريض تقتضي ذلك.
وتوضح أن من أسباب التراجع عن العملية وجود توقعات غير واقعية، أو طلب نتيجة لا تتناسب مع تشريح الوجه والعين، أو اعتقاد المريض أن الجراحة ستجعله نسخة من شخص آخر.
كما يجب، قبل اتخاذ القرار، تقييم جفاف العين وأمراض سطح العين والجفون ومحيطها، لأن هذه العوامل قد تؤثر في اختيار الإجراء، وفي النتيجة النهائية.
وتحذر من الانسياق وراء العبارات التسويقية من نوع «نتيجة مضمونة» أو «من دون مخاطر»، مؤكدة أن الطب لا يقدم نتائج مضمونة بنسبة 100%.
وتختصر فلسفتها في جراحة الجفون بأن النتيجة الأفضل ليست التي تجعل المريض يبدو وكأنه خضع لعملية، وإنما التي تمنحه مظهراً أكثر راحة ونضارة مع المحافظة على هويته الطبيعية، معتبرة أن الهدف هو الترميم لا التغيير.
الوجه الأخطر لـ«الترند».. تغيير لون العين
إذا كانت جراحات الجفون تحتاج إلى اختيار دقيق للحالة، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما ينتقل الترند إلى تغيير لون العين نفسها.
وتحذر د. ندى اليوسف، استشارية أمراض وجراحة العيون، من انتشار الترويج لإجراءات تغيير لون العين، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن بعض هذه الإجراءات قد تعرض العين لمضاعفات خطيرة.
ومن أبرز الإجراءات التي يثار حولها الجدل زراعة القزحية التجميلية، وليزر القزحية لتغيير اللون، وتصـبغ القرنية أو «وشم القرنية».
وتوضح أن زراعة القزحية لأغراض تجميلية قد ترتبط بارتفاع ضغط العين والجلوكوما وتلف الخلايا البطانية للقرنية والالتهابات الداخلية المزمنة، وتعتم عدسة العين، وهي مضاعفات يمكن أن تهدد الرؤية.
وتدعم الأدبيات الطبية العالمية هذه المخاوف؛ إذ توثق مصادر طب العيون مضاعفات مرتبطة بزراعة القزحية التجميلية، من بينها الالتهاب والجلوكوما ووذمة القرنية وانخفاض حدة البصر، مع تسجيل حالات احتاجت إلى إزالة الزرعة وتدخلات جراحية إضافية.
والأهم أن القزحية الاصطناعية الطبية ليست أصلاً إجراءً تجميلياً لتغيير لون العين السليمة؛ فالموافقة الأميركية على أحد الأجهزة المعروفة مخصصة لحالات فقدان أو نقص القزحية الخلقي أو المكتسب، وليست لتغيير لون العين لأسباب تجميلية.
الليزر ليس «فيلتراً» دائماً
أما استخدام الليزر لتغيير لون القزحية، فتوضح د. ندى اليوسف أنه قد يؤدي إلى تلف دائم في الأنسجة الحساسة، إضافة إلى ارتفاع ضغط العين والجلوكوما وتعتم عدسة العين والالتهابات الداخلية، فضلاً عن احتمال ظهور نتائج غير متجانسة في لون القزحية.
وتشير المصادر المتخصصة إلى أن إصابات العين الناتجة عن الليزر التجميلي ممكنة، وأن الخطر يرتفع عند استخدام الليزر في المناطق المحيطة بالعين مع عدم الالتزام بإجراءات الحماية المناسبة، كما أن بعض إصابات القزحية يمكن أن تكون غير قابلة للعكس.
وهنا تظهر مشكلة أخرى في التعامل مع «الترند»: فالمستخدم يرى النتيجة النهائية في مقطع قصير، لكنه لا يرى ما قد يحدث للعين بعد أشهر أو سنوات.
«وشم القرنية».. تغيير اللون بثمن قد يكون باهظاً
أما تصبغ القرنية التجميلي، المعروف باسم «وشم القرنية»، فيعتمد على إدخال الصبغة إلى القرنية لإحداث تغيير في مظهر العين.
وتحذر د. ندى اليوسف من أن الإجراء قد يرتبط بالالتهابات، والحساسية الشديدة للضوء، ومشكلات مرتبطة بالصبغة، وارتفاع ضغط العين، إلى جانب احتمال التأثير في القدرة على فحص الأجزاء الداخلية للعين أو إجراء عمليات مستقبلية عليها.
وتؤكد أن هذه الإجراءات ليست مما ينبغي اللجوء إليه لمجرد الرغبة في تغيير لون عين سليمة ومبصرة، موضحة أن استخدامها الطبي يختلف عن الاستخدام التجميلي، وقد يُلجأ إلى بعض تقنيات تصبغ القرنية في حالات استثنائية، مثل العيون غير المبصرة بهدف تحسين التناسق الشكلي مع العين الأخرى.
البحرين.. تحذير من «ترند» مستورد
وتكشف د. ندى اليوسف أن هذه الإجراءات التجميلية لتغيير لون العين لا تُجرى في البحرين للعيون السليمة بهدف التجميل، لكنها قد تكون محط اهتمام بعض الأشخاص الذين يسافرون إلى الخارج بحثاً عنها.
وهنا تكمن إحدى أخطر حلقات الترند؛ فالإعلان على منصة اجتماعية قد يجعل إجراءً طبياً يبدو وكأنه خدمة تجميلية عادية يمكن السفر للحصول عليها، من دون أن يطلع الشخص على المضاعفات بعيدة المدى، أو على مستوى التأهيل الطبي للممارس أو الجهة التي ستجري العملية.وقد حذرت رابطة أطباء العيون البحرينية من هذه الممارسات، بحسب د. اليوسف، كما تم التواصل مع الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية بشأن الموضوع.
ولا يأتي التحذير البحريني بمعزل عن المخاوف الطبية العالمية؛ فإدارة الغذاء والدواء الأميركية تؤكد أن القزحية الاصطناعية المعتمدة لديها مخصصة لعلاج حالات فقدان أو عيوب القزحية، كما أن استخدامها ليس مخصصاً لتغيير لون العين لأغراض تجميلية.
«العروض» ليست بديلاً عن الترخيص والتخصص
وبعيداً عن تغيير لون العين، تشدد المختصتان على أن التعامل مع أي إجراء في منطقة العين يجب أن يبدأ من اختيار الطبيب والتخصص والمنشأة، وليس من السعر أو العرض الترويجي.
وتوصي المختار بأن يتأكد المريض من مؤهلات الطبيب وترخيصه وخبرته الفعلية في جراحات الجفون ومحيط العين، وأن تجرى العملية في منشأة صحية مرخصة ومجهزة للتعامل مع المضاعفات والطوارئ.
كما ينبغي أن يعرف المريض تشخيصه بدقة، والإجراء المقترح، وسبب اختياره، والبدائل المتاحة، والمضاعفات المحتملة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق النتيجة المطلوبة من دون جراحة.
وتشير الجفيري إلى أن الجفن ليس مجرد عنصر جمالي؛ فهو يؤدي وظيفة أساسية في حماية العين والمحافظة على سلامة سطحها، بينما تضم منطقة محجر العين تراكيب شديدة الحساسية، ولذلك فإن أي تدخل فيها يحتاج إلى معرفة دقيقة بتشريح المنطقة ووظيفتها.
من «ترند» إلى قرار لا يمكن التراجع عنه
المشكلة في ترندات التجميل ليست في رغبة الإنسان في تحسين مظهره، ولا في وجود عمليات يمكن أن تحقق نتائج آمنة عند اختيار المريض المناسب وإجرائها على يد مختص مؤهل.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الصورة الرائجة إلى معيار طبي، ويصبح ما يفعله المؤثر أو المشاهير سبباً كافياً لإجراء عملية، من دون سؤال عن ملاءمتها للحالة.
وفي حالة العين تحديداً، قد تكون المسألة أكثر حساسية؛ لأن تغييراً تجميلياً غير محسوب قد لا يترك مجرد ندبة أو عدم تناسق، بل قد يؤثر في وظيفة الجفن أو سطح العين أو ضغطها أو حتى القدرة على الإبصار. ولهذا تبدو الرسالة التي تتفق عليها الطبيبات واضحة: لا تجعل «الترند» طبيبك.
فما يتصدر مواقع التواصل اليوم قد يختفي غداً، أما العين التي تخضع لتدخل غير ضروري، فقد تحمل آثار ذلك القرار لسنوات.
والقاعدة الأهم: إذا كانت العين سليمة وتبصر جيداً، فلا ينبغي تحويلها إلى ساحة تجربة من أجل لون أو شكل رائج.