الأستاذة سوسن الشاعر تطرقت في عمودها عن موضوع قانون الأسرة الجديد، وأنا أضم صوتي معها ومع من تطرق في هذا الموضوع بشأن إعادة النظر بشأن بنوده؛ لأن قانون الأسرة بمجمله يمسّ كل أسرة ويؤثر مباشرة على استقرارها وحقوق أفرادها.
وإذا تبين وجود بعض الثغرات في القانون قد تمسّ حقوق الأسرة يجب الوقوف عليها؛ فالتأكد من صحة القانون لا يتحقق بمجرد صدوره، بل يعتمد على تطبيقه وتفسير مواده بصورة عملية عادلة، حتى لا يتضرر أي فرد من الأسرة، فمعالجته تصبح أمراً ضرورياً، والأهم ضمان حماية الجميع، بحيث يكون تطبيق قانون الأسرة سنداً للأسرة لا سبباً في الإضرار بها.
سأستعرض في مقالي هذا بعض الحالات الواقعية التي تضررت من تطبيق قانون الأسرة الجديد، بهدف تسليط الضوء على أثره الفعلي. كثيراً ما يُتداول بأن قانون الأسرة يحفظ من وضع الطفل الاجتماعي، وأنه لا تُمسّ حقوقه بعد الطلاق بمعنى آخر: «لن يتغير عليه شيء بعد الطلاق، مادياً ومعنوياً»، ولكن الواقع عكس ذلك في كثير من الحالات، فتغيير بيئة الطفل عما كان عليه في السابق قبل الانفصال يترك أثراً نفسياً كبيراً في حياة الأطفال واستقرارهم وشعورهم بالأمان كما السابق، وكأن الانفصال أو الطلاق لم يقع بين الزوجين وحدهما، بل امتد ليصبح بين الأب وأطفاله.
من هذه الحالات أبٌ رفض استمرار أطفاله في التعليم بمدارس خاصة، وحاول نقلهم إلى مدرسة حكومية بحجة أنه سوف يتزوج ولديه مصاريف كثيرة برغم أنه ميسور مادياً، إلا أن الأم لم تقبل أن تتغير ظروف أبنائها أو يتأثر تعليمهم، فاستمرت في تدريسهم في المدرسة الخاصة على نفقتها الخاصة بمساعدة والدها -أي الجد- بهدف عدم تراجع في مستواهم التعليمي. بالتأكيد، هذا الفعل يترك عدم استقرار لدى الطفل عندما تتغير البيئة التعليمية بما فيها محيط الأصدقاء والمدرسين، وهذا بالتأكيد يؤثر على تحصيله العلمي وعلى حالته النفسية.
حالة أخرى لم ينصفها قانون الأسرة الجديد، أسرة تعيش في منزل كبير بمرفقاتها الترفيهية، ثم يقرر الزوج أن ينهي العلاقة الزوجية، وبعد الطلاق رفع دعوى قضائية بهدف إخراج أطفاله وطليقته الحاضنة لأولاده من المنزل بحجة أنه تزوج من جديد وله مسؤولية أسرة جديدة، والمصيبة أن هذا الأب مقتدر، حيث حكم القاضي بدل سكن للأبناء بمبلغ زهيد، ولم يكترث الأب أو حتى القاضي بالمستوى الذي كان يعيش الأبناء فيه من قبل، ما كان مهمّاً أن يعيشوا في شقة أو في بيت قديم، المهم أن يتركوا المنزل الكبير، وهذا أسوأ ما يُنتهك في حقوق الأبناء وخصوصاً القاصرين، أن يعدهم القانون بالأحسن ليجدوا أنفسهم في متاهات الانتقال من بيت العمر إلى «أي مكان».
هذه بعض الحالات البسيطة التي أستطيع من خلالها القول إن القانون قد خذلهم من غير قصد، لأن تطبيقه يحتاج إلى سد الثغرات القانونية، وإعادة النظر في بنوده بما يتوافق مع الواقع العملي، لا بمستوى تنظيري فقط، فالمشرّع مهما كانت نيته قد يخطئ، وهذا أمر طبيعي؛ لأن البشر ليسوا معصومين، لكن الخطأ يصبح مؤثراً عندما لا تُعالج الفجوات التي تظهر عند التطبيق الفعلي ولابد من الوقوف على مَواطن القصور حتى يضمن قانون الأسرة حماية عادلة، ويحقّق الغاية التي وُضع من أجلها.