في كل دورة من دورات جائزة اليونسكو - الملك حمد بن عيسى آل خليفة لاستخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال في مجال التعليم، يزداد يقيني أن قيمتها تتجاوز أسماء الفائزين وحفل التكريم، إلى ما تحمله من قيمة إنسانية ومعرفية تتجاوز الحدود. فالجائزة التي تحمل اسم حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، تمثل في جوهرها رسالة بحرينية إلى العالم، تؤكد أن التعليم لا يمكن أن يبقى بعيدًا عن التحولات المتسارعة من حوله، وأن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي اللذين غيرا حياتنا وطريقة عملنا، سيغيران حتمًا الطريقة التي نتعلم بها ونعلم أبناءنا.

ولعل عنوان الجائزة للعام 2026، «إعادة تصور الإبداع والتفكير النقدي باستخدام الذكاء الاصطناعي»، يلخص هذه الفكرة بوضوح، فالمطلوب ليس استخدام التكنولوجيا لمجرد أنها حديثة، وإنما توظيفها لبناء طالب أكثر قدرة على التفكير والتحليل والإبداع.

وهذا ما تعكسه التجربتان الفائزتان، اللتان اختيرتا من بين 114 ترشيحًا من 58 دولة، الأولى مشروع «جيل الذكاء الاصطناعي» من فنلندا، بقيادة عدد من الجامعات هناك، والذي ينطلق من حقيقة أننا أمام جيل سيكون الذكاء الاصطناعي جزءًا طبيعيًا من تعليمه وحياته.

أما الثانية فهي مشروع «الكتابة في بارانا» من ولاية بارانا في البرازيل، الذي يقدم تجربة في توظيف التقنيات الرقمية لخدمة العملية التعليمية. والمهم هنا ليس فقط فوز مشروع فنلندي وآخر برازيلي، وإنما أن جائزة تحمل اسم جلالة الملك المعظم أصبحت تفتح نافذة عالمية أمام التجارب والأفكار التي تسعى إلى جعل التكنولوجيا أكثر نفعًا للتعليم والإنسان.

والجميل أن الرسالة التي تحملها البحرين إلى العالم تجد تطبيقها في الداخل أيضًا، مع استعداد وزارة التربية والتعليم، حسب ما أعلن سعادة وزير التربية والتعليم الدكتور محمد بن مبارك جمعة، لإطلاق منصة تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدم أكثر من 100 خدمة تعليمية وإدارية، إلى جانب بدء تطبيق برنامج البكالوريا الدولية في المدارس الحكومية.

كما تحمل دورة هذا العام رمزية خاصة لتزامنها مع «عام عيسى الكبير»؛ ففي عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه «الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه»، انتقلت البحرين من التعليم التقليدي إلى التعليم النظامي العصري، واليوم نقف أمام تحول جديد يدخل فيه الذكاء الاصطناعي إلى العملية التعليمية. تتغير الأدوات، لكن الفكرة تبقى واحدة بأن يكون التعليم قادرًا على مواكبة زمانه.

وهنا، في اعتقادي، تكمن القيمة الحقيقية لجائزة اليونسكو - الملك حمد، فهي تحمل من البحرين إلى العالم رسالة واضحة بأن المستقبل ليس لمن يمتلك التكنولوجيا فقط، وإنما لمن يعرف كيف يوظفها في صناعة إنسان أكثر معرفة وإبداعًا وقدرة على التفكير، وأكثر استعدادًا لعالم يتغير كل يوم.