لم تعد أخطر ورقة يحملها الطالب إلى قاعة الامتحان ورقةً مخبأة في جيبه؛ فقد أصبح يحمل في هاتفه عقلاً إلكترونياً يستطيع أن يكتب، ويختصر، ويترجم، ويقترح الإجابات في ثوانٍ.

ومن هنا، لم يعد السؤال التربوي: كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من دخول المدرسة؟ بل: كيف ندخله من الباب، وتحت عين المعلم، وفي خدمة عقل الطالب؟

بهذا المعنى يمكن قراءة الورقة العلمية التي قدّمها سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة، وزير التربية والتعليم، في فرنسا، حول دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم.

فهي لا تتصل بأداة عابرة أضيفت إلى الصف، بقدر ما تفتح باباً لمراجعة فلسفة التعليم ذاتها: ماذا نعلّم؟ وكيف نقيس الفهم؟ وما الذي يبقى من دور المعلم حين تستطيع الآلة أن تجيب قبل أن يكمل الطالب سؤاله؟

جاءت المشاركة ضمن أسبوع اليونسكو للتعلم الرقمي 2026 في باريس، الذي جمع أكثر من 25 وزير تربية، إلى جانب خبراء وممثلين عن قطاع التقنية ومعلمين وطلبة، وانتهى إلى بيان وزاري يؤكد بقاء التعليم حقاً إنسانياً وخيراً عاماً في عصر الذكاء الاصطناعي، وهذه العبارة ليست ترفاً دبلوماسياً؛ إنها ترسم الحد الفاصل بين تعليم تقوده التقنية، وتعليم يقود التقنية.

الفكرة النوعية التي نحتاج إليها اليوم هي الانتقال من تعليم الإجابة إلى تعليم المسؤولية عن الإجابة، فالطالب لم يعد مطالباً فقط بأن يقدم معلومة صحيحة، وإنما بأن يوضح مصدرها، ويفحص تحيزها، ويدافع عن منطقه، ويميّز بين المعرفة المصنوعة والحقيقة الموثقة، الذكاء الاصطناعي قد يمنحه نصاً متماسكاً، لكنه لا يستطيع أن يمنحه ضميراً علمياً ما لم تصنعه المدرسة.

ولذلك لا تكفي إتاحة المنصات الذكية، المطلوب ميثاق واضح للاستخدام، وتدريب مستمر للمعلمين، وحماية بيانات الطلبة، وتطوير محتوى عربي موثوق، وضمان ألا تتحول الفجوة الرقمية إلى فجوة تعليمية جديدة، كما ينبغي إعادة بناء التقويم ليشمل الحوار الشفهي، والمشروعات التطبيقية، وتحليل الحالات، والدفاع عن الأفكار؛ حتى لا تصبح الدرجة قياساً لقدرة الطالب على مخاطبة الآلة.

وللبحرين رصيد رمزي وعالمي في هذا المسار؛ فجائزة اليونسكو-الملك حمد بن عيسى آل خليفة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم، التي انطلقت عام 2005، جعلت المملكة شريكاً في صياغة الحوار الدولي حول مستقبل التعلم.

وقد حملت نسخة 2026 عنوان «إعادة تصوّر الإبداع والتفكير النقدي باستخدام الذكاء الاصطناعي». لسنا أمام نهاية المعلم، بل أمام نهاية المعلم الذي يكتفي بتلقين الإجابات.

والقاعدة التي ينبغي أن تكتب فوق أبواب مدارس المستقبل بسيطة: الآلة تقترح، والمعلم يحكم، والطالب يبرهن، وعندما يقرع جرس المدرسة غداً، لن يكون السؤال: هل دخل الذكاء الاصطناعي الصف؟ بل: هل بقي الإنسان قائداً له؟

* إعلامية وباحثة أكاديمية