البحرين قالتها كما يجب أن تُقال، لا مشاركة في اجتماع يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية، ولا تعامل مع قضية مضيق هرمز وكأن ما تعرضت له دولنا أصبح صفحة يمكن طيها بدعوة إلى طاولة مفاوضات.
هذا، بالنسبة لنا كمواطنين، موقف نفخر به؛ لانطلاقه من قاعدة سياسية وأخلاقية وقانونية واضحة، إذ لا تستوي الضحية مع المعتدي، ولا يمكن وضعهما في الكفة نفسها، ثم نسمي ذلك حواراً متوازناً.
البحرين تعرضت لاعتداءات طالت بنيتها التحتية وأعياناً مدنية، ووصلت لاستهداف خزان للأمونيا كان سيؤدي إلى كارثة بشرية.
ودول المنطقة تعرضت لهجمات طالت أمنها واقتصادها ومنشآتها، وما جرى أخيراً باستهداف خط أنابيب النفط في السعودية يؤكد استمرار الخطر، مع استمرار إيران لاستخدام الطائرات المسيّرة وأذرعها التابعة لها.
بعد كل ذلك، هل يفترض أن نجلس وكأن شيئاً لم يحدث؟!
البحرين قالت بوضوح إنها لا تغلق باب السلام. لكن هذا شيء، ومنح المعتدي فرصة لإعادة تقديم نفسه كشريك متساوٍ شيء آخر.
لا يمكن أن تقصفنا إيران وتهدد الملاحة، وتتحرك أذرعها وميليشياتها في العراق واليمن، ثم ينتهي الأمر بدخولها مفاوضات لتبحث مع المتضررين ترتيبات جديدة تمنحها حقاً في تحديد كيفية استخدام مضيق هرمز.
لا يمكن منح المعتدي صك براءة بمجرد جلوسه إلى الطاولة، فيتحول من مصدر للمشكلة إلى شريك في حلها، ومن طرف معتدٍ إلى طرف مساوٍ للمتضررين من اعتداءاته.
حين تستخدم إيران القوة لتعطيل هرمز، ثم يصبح هذا سبباً لتحصل على دور في تحديد مستقبله، فإننا هنا نكافئها ولا نردعها. مضيق هرمز لا يجوز أن يخضع لهذه المعادلة.
هو ممر دولي تحكمه قواعد الملاحة الدولية، وحق المرور فيه ليس حقاً يمتلكه النظام الإيراني.
وهنا لا تفاوض على حق موجود أصلاً، لأنه يعني منح إيران ما تسعى إليه، أي الاعتراف بأن لديها سلطة سياسية خاصة على المضيق تستطيع بموجبها أن تفتح وتغلق وتفرض وتمنع، ثم تفاوض على حدود تلك السلطة.
من يريد السلام يوقف الاعتداءات، لا يتفاوض بناء عليها. ومن يريد علاقات طبيعية مع جيرانه يحترم سيادتهم، لا يحرك ميليشياته وأذرعه ضدهم.
هنا نشيد بالأسس الأربعة التي وضعها بيان وزارة الخارجية البحرينية، عبر وقف الاعتداءات، وتفعيل المسؤولية الدولية وجبر الضرر، واحترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضي أي دولة للاعتداء على الجيران، وتسوية الخلافات بالطرق القانونية.
هذه أبجديات أي سلام حقيقي.
نريد السلام بالتأكيد. ونريد أن تنتهي الحروب والتوترات في منطقتنا، لأن شعوب الخليج واقتصاداته ومدنه ومستقبله هي التي تدفع الثمن أولاً.
لكننا لا نريد سلاماً يُكتب تحت تهديد الاعتداءات.
ولا نريد حواراً يبدأ بنسيان الجرائم. ولا نريد ترتيبات تجعل من المعتدي صاحب امتياز لأنه أثبت أنه قادر على إلحاق الضرر.
أن ننسى ما حدث، ثم نجلس مع المعتدي لنتفاوض معه على حقنا في الأمن وحق العالم في المرور الملاحي، فذلك يشبه أن نعطي الشيطان صك براءة.
الموقف البحريني هنا صائب وقوي، نحن مع السلام، لكن ليس على حساب الحق. نحن مع الحوار، ولكن ليس بطريقة تجعل الضحية والمعتدي طرفين متساويين، ولا تجعل من البلطجة الإيرانية في هرمز حقاً مكتسباً تجري المفاوضات حول ثمنه.