الحواجز التي وضعتها جماعة "الولي الفقيه" بين الشيعة والدولة، شكّكت دوماً في غاياتها، وحرضت الجماعة على العصيان ورفض القانون، فلم يصدر قرارٌ أو قانونٌ من السلطة التشريعية أو الأجهزة التنفيذية إلا واعترضت عليه، وادّعت لجماعتها أن ذلك الاعتراض هو لحماية الدين وحماية الخصوصية المذهبية، وخلطت الأوراق مع بعضها؛ الديني بالسياسي بالمعيشي، كله جمعته في يدها سلطةً مقابل سلطة الدولة.
ادعت دوماً أنها الأعلم والأدرى بمصلحة الجماعة، وكانت تستند دوماً على التشكيك في الغايات والمقاصد، مستعينة بالإسقاطات التاريخية تارةً، وبتشويه التاريخ المعاصر تارةً أخرى، حتى حَرمت العديدَ من الاستفادة من منافع كثيرة بسبب تلك الحواجز الوهمية التي اصطنعتها لتلك الجماعة.
أتذكرون الانتخابات؟ أتذكرون المقاطعة؟ أتذكرون قانون أحكام الأسرة؟ أتذكرون التمكين السياسي للمرأة؟ أتذكرون تراخيص جمع المال للزكاة أو الخمس وفكرة صرفها فقط داخل البحرين؟ كلها تدخلت فيها وجميعها اعترضت عليها، وكم من فائدة كانت ستعمّ على البحرينيين ضاعت وتاهت وسط جدالهم واعتراضهم وتشكيكهم! حتى حين رفع أهل "سترة" سيارة جلالة الملك عن الأرض وهم يرحبون به، وكانت محطة تاريخية في الالتحام الشعبي، أفْسَدَتْها تلك الجماعة وشوّهتها، ولو كان بِيَدِها لَمَحَتْها من الذاكرة، لكنها لحظة فارقة لن تغيب أبداً.
بالمقابل، كم خسرت البحرين -ولن نقول الشيعة بل البحرين خسرت كلها- من تلك الحواجز التي وُضِعَت بين فئة من المواطنين وبين الدولة، وبين تلك الفئة وبقية الفئات!
وكم ضاع من وقتٍ وجهدٍ، وضاعت حياة شبابٍ وأسر! والأدهى أنها أحياناً تتراجع بعد إدراك الأخطاء، لكنه تراجعٌ دائماً ما يكون بعد فوات الأوان، وكم من فرص أُضِيعَت على شبابها وعلى البحرين كلها! وبدلاً من أن تُوَظَّف تلك الجهود والأموال والوقت لخير الجميع، خسر الجميع بسببها.
فإن كانت إيران اليوم تتسبب بخسائر اقتصادية للبحرين، فإن جماعتها تسببوا بمثل تلك الخسائر طوال الأربعة عقود الماضية لنا، ولم يتعلموا ولن يتعلموا؛ مازالوا حتى وهم منفيون يبذلون الجهد لزرع المزيد من الأوهام والحواجز، مشككين في كل قرار، ويتهمون الدولة بأنها تريد هدم الدين، وتريد القضاء على الشيعة، وتريد إنهاء المذهب، وتريد وتريد... إلخ.
إنما هو سؤال بسيط: ماذا استفاد شيعة البحرين منكم؟ بل ماذا استفادوا من إيران نفسها؟
ها هم شيعة البحرين اليوم -بعد أن اختفيتم من المشهد- في أمان وطمأنينة وحرية عبادة، وها هو يتشافى منهم من كان مُغَيَّباً بسبب قمعكم وإرهابكم، وها هي اللحمة الوطنية تزداد التحاماً، وها هم أهل المذاهب كلها يعودون للتقارب وللتعايش كما كان عليه أهل البحرين قبل أن تقتحموا عليهم تسامحهم وعيشهم المشترك.
الخلاصة: أخطأت الدولة حين منحتكم أكبر من حجمكم قدراً، وتركت لكم مساحة امتدت إلى أن وصلت إلى حق التطاول على الدستور والقانون والمؤسسات فتجاوزتموها، واليوم تعود الأمور لنصابها؛ فيحفظ الفرد حق الدولة مثلما تعمل الدولة على صيانة حقوق الفرد والجماعات في توازن منطقي ليس فيه جورٌ على حقٍّ من تلك الحقوق الجماعية أو الفردية، فقد انتهى عهد تجاوز الدولة.