موقفٌ واضح لا يحتمل التأويل، ولغة دولة تعرف أين تقف، ومتى يكون الحوار ضرورة، ومتى يصبح القفز إليه تجاوزاً لحقوق لا تسقط بالتقادم السياسي.

حين أعلنت وزارة الخارجية أن مملكة البحرين لن تشارك في الاجتماع الوزاري المقترح حول مضيق هرمز، وأنها لن تكون طرفاً في اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فإنها لم تغلق باب السلام، بل وضعت مفتاحه في مكانه الصحيح.

فلا يمكن صناعة مشهد سياسي جديد، بينما وقائع الأمس القريب لم تُعالج بعد. البحرين تعرضت لاعتداءات إيرانية سافرة استهدفت بنيتها التحتية وأعيانها المدنية، وكاد استهداف خزان للأمونيا بسترة أن يفضي إلى كارثة إنسانية، فيما يؤكد استهداف خط أنابيب «شرق–غرب» في المملكة العربية السعودية الشقيقة أن الخطر لم يصبح ذكرى.

لا تغاضٍ يمحو الاعتداء، ولا سكوتٌ يُسقط تبعاته، ولا استرضاءٌ يشتري هدوءاً مؤقتاً على حساب الحق. هكذا ترتفع لغة البيان من موقف آني إلى مبدأ سياسي راسخ؛ فالسلام الذي يطوي الاعتداء قبل أن تُستوفى الحقوق المترتبة عليه، ويطلب من المعتدى عليه أن ينسى، ليس سلاماً؛ بل تأجيلاً لأزمة ستعود متى وجد نظام طهران أن اعتداءه بلا ثمن.

والحوار، مهما كانت ضرورته، لا يمحو المسؤولية، كما أن السلام لا يمنح المعتدي إعفاءً من تبعات اعتدائه. ومن هذا الفهم رسمت البحرين طريقاً واضحاً يبدأ بوقف الاعتداءات، وقيام المسؤولية الدولية وجبر الضرر، واحترام سيادة الدول، وعدم استخدام إقليم أي دولة منطلقاً للاعتداء على جيرانها، وينتهي إلى الاحتكام للقانون في تسوية المسائل العالقة.

وفي مضيق هرمز لا تقبل البحرين بمنطق البوابات والمفاتيح، ولا بأن تتحول حرية الملاحة إلى ورقة تفاوض تُمنح الحقوق من خلالها أو تُنتزع. المرجعية هي قانون البحار، والإطار هو المنظمة البحرية الدولية، والمرور العابر حق للجميع بلا تمييز أو رسوم أو تصاريح.

فهرمز ممر دولي لا ورقة نفوذ، وحرية الملاحة فيه حق يكفله القانون لا منحة يمنحها أحد، ولا ترتيبات لأمننا من دون دول خليجنا العربي جميعاً.

ومن موقعها عضواً في مجلس الأمن، لا يعني رفض البحرين المشاركة في اجتماع بعينه انسحاباً من الدبلوماسية أو ابتعاداً عن الحوار، بل هو في ذاته ممارسة للدبلوماسية حين تعرف الدولة أين ينبغي أن تجلس، ومتى، وعلى أي أساس.

والبحرين اختارت طريقها بوضوح؛ القانون والمؤسسات الدولية والعمل الخليجي المشترك، لا القفز فوق الاعتداءات بحثاً عن تسويات ترقيعية سريعة.

للبحرين تاريخ زاخر وخبرة سياسية عريقة، وهذا الثبات امتداد لعز بحريني عرفته الأجيال. لكن البحرين اليوم تواجه ظرفاً استثنائياً لم تعرف مثله، فكان نهج جلالة الملك المعظم بحجم استثنائية المرحلة؛ ثباتاً في حماية سيادة البحرين وحقوقها، وحكمة بلا استرضاء، وانفتاحاً بلا تفريط، وإيماناً بالسلام لا يقبل أن يكون ثمنه التنازل عن الحق.

إنها دبلوماسية العز البحرينية؛ نمد اليد للسلام، ولكننا لا نضع فيها حقوقنا ثمناً له.

هكذا كانت البحرين، وهكذا يقودها جلالة الملك المعظم.. وهذا بالفعل، بيانٌ يليق بنا.

*فيصل العلي