تعيش الشابة باو لي، البالغة 18 عاماً، في ألمانيا، وفقاً لما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، حياة مزدحمة بالهوايات إلى حد يصعب معه اعتبارها مجرد أنشطة لوقت الفراغ. فهي تمارس رقص العمود، وتتدرب في صالات الرياضة، وتجري، وتمارس تمارين وزن الجسم وتسلق الصخور، وتعزف البيانو والكمان والغيتار، كما تعمل كمنسقة موسيقى، وتحترف الخياطة والكروشيه والأعمال اليدوية والرسم والتصميم الفني للأظافر، إضافة إلى الشطرنج والسودوكو والقراءة والبحث.
ولا تكتفي لي بممارسة هذه الأنشطة، بل تحاول قياس أدائها في بعضها وتسجيل نتائجها. فعندما تجري، على سبيل المثال، توثق نشاطها عبر تطبيق «سترافا». كما تعتمد نظاماً يقضي بالتركيز على ثلاث هوايات في كل مرة، وممارستها يومياً، قبل الانتقال إلى مجموعة أخرى.
من الترفيه إلى «خليط الهوايات»
وتقول «واشنطن بوست» إن لي تمثل اتجاهاً متنامياً بين أفراد الجيل «زد»، يعرف على الإنترنت باسم «خليط الهوايات» (Hobbymaxxing)، ويقوم على تكديس أكبر عدد ممكن من الهوايات والأنشطة بهدف استثمار كل لحظة من الوقت.
وتقول لي للصحيفة: «الأمر ليس مريحاً لأنني أشعر بالفعل أنني منتجة»، مضيفة أنها تشعر بأنها تهدر وقتها عندما لا تكون منشغلة بشيء منتج.
ويرتبط هذا السلوك، بحسب التقرير، برغبة تبدو في ظاهرها إيجابية، تتمثل في بناء حياة غنية خارج العمل والعالم الرقمي. لكن المبالغة في التعامل مع الهوايات قد تحولها تدريجياً إلى ما يشبه وظائف إضافية، بحيث يصبح وقت الفراغ نفسه خاضعاً لقواعد الإنتاج والإنجاز.
لماذا يصعب علينا الاسترخاء؟
ينقل التقرير عن مايكل إنزليخت، أستاذ علم النفس في جامعة تورنتو والمتخصص في دراسة العمل واللعب، أن الأنشطة الترفيهية التي تتطلب جهداً قد تبدو للإنسان أكثر قيمة، حتى وإن كان ذلك مجرد وهم.
ويرى إنزليخت أن هذا الشعور قد يكون مرتبطاً بثقافة غربية ترسخ فكرة أن العمل قيمة في حد ذاته، إضافة إلى احتمال وجود علاقة تطورية قديمة بين بذل الجهد والحصول على المكافأة.
وتشير «واشنطن بوست» إلى أن النظرة إلى الهوايات باعتبارها نشاطاً فاضلاً لم تكن دائماً موجودة. فقد اكتسبت الهوايات هذه الصفة خصوصاً بعد الثورة الصناعية، عندما ازداد وقت الفراغ، وأصبح يُنظر إلى استغلاله في أنشطة منظمة باعتباره وسيلة لتجنب الكسل والانحراف.
القلق يدفع إلى ملء وقت الفراغ
وبحسب التقرير، ظهرت أشكال مشابهة من الانشغال المفرط بالهوايات في فترات شهدت أزمات اقتصادية أو مخاوف وجودية، مثل الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية وجائحة «كوفيد-19».
وتوفر الهوايات في هذه الظروف وسيلة للتعامل مع الفراغ، لكنها قد تصبح أيضاً طريقة للهروب من القلق والتوتر. ومع ذلك، يحذر إنزليخت من أن دفع الهوايات إلى مستويات عالية من الجهد قد يؤدي في النهاية إلى نتيجة عكسية.
ويشرح أن الإنسان يصل في مرحلة معينة إلى أقصى شعور بالمعنى، لكن زيادة الجهد بعد ذلك قد تؤدي إلى تراجع المتعة والمعنى بدلاً من زيادتهما.
الأرقام تحول الهوايات إلى مهام
ويرى التقرير أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في هذا التحول، خصوصاً مع انتشار التطبيقات التي تتيح للمستخدمين تسجيل كل شيء تقريباً.
وتشمل هذه التطبيقات «Letterboxd» للأفلام، و«Goodreads» للكتب، و«Backloggd» لألعاب الفيديو، و«Beli» للمطاعم، إضافة إلى تطبيقات وأجهزة أخرى لقياس النشاط الرياضي.
ويقول إنزليخت إن وضع رقم أو مقياس لنشاط ما يدفع الناس إلى محاولة تعظيم ذلك الرقم، حتى لو كان المقياس نفسه بلا معنى حقيقي.
وبمرور الوقت، يمكن لهذه المقاييس أن تنتقص من متعة النشاط، لأن الهواية تبدأ في التحول إلى التزام شخصي يشبه العمل.
تجربة كشفت الجانب الآخر
وتنقل «واشنطن بوست» تجربة دانا غولد، البالغة 23 عاماً، التي دفعت تدريبات القوة والجري لديها إلى أقصى الحدود، وحصرت قراءاتها في كتب تطوير الذات، كما كانت تسجل هواياتها وتنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقول غولد إنها لم تكن تسمح لنفسها بالاستمتاع ببساطة، لأنها كانت تعتقد أنه يتعين عليها أن تصبح «رائدة أعمال» شديدة الانضباط والانشغال.
لكنها مع الوقت فقدت الفضول والدهشة اللذين دفعاها أساساً إلى ممارسة تلك الأنشطة، بعدما حولتها القواعد والتسجيل المستمر إلى أعمال إضافية.
وتوقفت لاحقاً عن نشر هواياتها، وقالت إن ممارستها أصبحت أسهل بكثير بعد التخلص من ذلك الضغط، ووصفت الابتعاد عن ثقافة «هواية ماكسينغ» بأنه أشبه بـ«رمز غش» في لعبة.
حتى الاسترخاء أصبح وسيلة للإنتاج
وتشير عالمة الاجتماع الثقافي سارة بريتز، في تصريحات نقلتها «واشنطن بوست»، إلى أن الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الظاهرة، إذ تعرض المستخدمين باستمرار لحياة الآخرين التي تبدو ناجحة ومليئة