يرى مقال مطول نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن الطريق التقليدي الذي سلكته دول نامية كثيرة لتحقيق نهضتها لم يعد متاحاً بالسهولة نفسها. ففي العقود التي أعقبت الحرب الباردة، كان بإمكان الدول جذب المصانع بالعمالة الرخيصة، والاقتراض لبناء المناطق الصناعية، ثم تصدير منتجاتها إلى أسواق عالمية مفتوحة. أما اليوم، فقد تصاعدت الحمائية التجارية، وازدادت كلفة الديون، وتراجعت المساعدات، بينما تقلل الأتمتة والذكاء الاصطناعي الحاجة إلى العمالة منخفضة المهارة.
لذلك، لم يعد هناك نموذج تنموي جاهز يمكن نسخه. والسؤالان اللذان ينبغي لكل دولة أن تطرحهما هما: ما الذي نمتلكه ويحتاج إليه الآخرون؟ وما الذي نستطيع تطويره بكفاءة؟ وتنطلق التنمية، وفق هذه الرؤية، من القطاعات الناجحة فعلاً، ثم البناء حولها، بدلاً من ضخ الأموال في مشروعات ضخمة وانتظار أن يتشكل اقتصاد متكامل من حولها.
ينطبق ذلك على البحرين، فهي دولة صغيرة ذات سوق وموارد محدودة نسبياً، لكنها لا تبدأ من الصفر. لديها بنية تحتية جيدة، وكفاءات بشرية، وموقع متصل بالسوق الخليجية، وقاعدة اقتصادية يمكن البناء عليها، وفي مقدمتها صناعة الألمنيوم والقطاع المالي.
تنتج شركة ألمنيوم البحرين «ألبا» أكثر من 1.623 مليون طن متري سنوياً، ما يجعلها من أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم، وحققت في عام 2025 أرباحاً بلغت نحو 218.7 مليون دينار. كما تمتلك البحرين بالفعل صناعات تحويلية مرتبطة بالألمنيوم، تشمل الدرفلة والصفائح والرقائق والكابلات والأسلاك والمقاطع المستخدمة في البناء والسبائك المتخصصة.
وكل ما نحتاجه في الوقت الحالي هو التوسع في الصناعات التحويلية ونقلها إلى مراحل أكثر تقدماً، مثل مكونات السيارات، ومنتجات الطاقة المتجددة، والصناعات البحرية، والمكونات الهندسية الدقيقة، فكلما زادت النسبة التي تُحوَّل محلياً إلى منتجات نهائية، ارتفعت القيمة المضافة، ونمت شبكة الموردين، وتوافرت وظائف أكثر تخصصاً للبحرينيين.
وينطبق المنطق نفسه على القطاع المالي. فقد بلغت أصول القطاع المصرفي البحريني نحو 254.5 مليار دولار في ديسمبر 2025، وساهمت الأنشطة المالية بنحو 17.2% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. كما تمتلك البحرين حضوراً واضحاً في التكنولوجيا المالية، والتمويل الإسلامي، والتأمين، وإدارة الأصول، وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وعليه، فالمطلوب ليس تأسيس هذه الأنشطة، وإنما تعميقها وربطها ببعضها، وزيادة قدرتها على الابتكار والتوسع الإقليمي وتصدير الخدمات. ويمكن للبحرين أن تتخصص في إدارة الأصول، والتقنيات المالية، والمنتجات الإسلامية والتأمينية المتطورة، مع توجيه جانب أكبر من التمويل إلى الشركات البحرينية المنتجة والقادرة على التصدير.
في عالم أكثر اضطراباً، لا تستطيع الدول الصغيرة المنافسة بالحجم، لكنها تستطيع المنافسة بالتخصص، وسرعة القرار، وكفاءة المؤسسات، وجودة التشريعات. والدرس الأهم للبحرين هو أن النمو المقبل لن يأتي من انتظار طفرة عالمية جديدة، بل من تعظيم قيمة القطاعات القائمة وتحويلها إلى منصات تولّد صناعات وخدمات وفرصاً جديدة.