قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بالأمس أن أمن المملكة وسلامة أراضيها أمور لا تقبل المساس، وأن دول مجلس التعاون لن تقبل باستهداف أراضيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية.
هذه رسالة موجهة إلى من يعنيه الأمر، إذ دول الخليج العربي تريد إنهاء الحرب والتوتر بالفعل، لكنها لن تدفع ثمن التهدئة من أمنها وسيادتها.
ولنسترجع ما قالته البحرين قبل هذا بيوم، لأن الكلام الواضح والمباشر مهم هنا. بلادنا أكدت بشكل رسمي أنها لن تشارك في اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع التأكيد في الوقت نفسه على تقدير الجهود العُمانية والتمسك بالحوار.
نوضح مجدداً المعنى هنا لمن استعصى عليه إدراكه، البحرين لا ترفض الحوار، لكنها ترفض أن يتحول إلى وسيلة للقفز فوق الوقائع، أو أن تجلس الأطراف حول طاولة واحدة، بينما آثار الاعتداءات مازالت واضحة، بل والاعتداءات مستمرة، وتشعبت من كل اتجاه.
الموقفان السعودي والبحريني يلتقيان عند نقطة واحدة، المنطقة لا تحتاج هدنة مؤقتة، هي بحاجة إلى تغيير حقيقي في قواعد السلوك.
إيران أصبحت كالشبكة العنكبوتية المترابطة فيما تفتعله من توترات، لدينا أزمة مضيق هرمز والملاحة الدولية، ولدينا الحوثي في اليمن، والميليشيات المرتبطة بطهران في العراق، وأيضاً لا ننسى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي تستطيع الانتقال من جبهة إلى أخرى.
وعليه، الحديث الإيراني عن الحوار أو حسن الجوار سيظل ناقصاً ما لم يترافق مع إجابة صريحة، هل تقبل طهران بأن يكون أمن جيرانها خطاً أحمر كما تعتبر أمنها هي خطاً أحمر؟!
إيران لا تستطيع أن تطالب بضمان أمنها، وفي الوقت نفسه يبقى أمن دول الخليج قابلاً للمساومة. ولا يمكنها المطالبة برفع العقوبات وفتح أبواب الاقتصاد والاستثمار، بينما تظل الممرات البحرية ورقة ضغط، وتظل الجماعات المسلحة المرتبطة بها قادرة على إشعال الجبهات متى شاءت. يجب أن تختار القيادة الإيرانية ماذا تريد لشعبها.
إيران دولة كبيرة، تملك إمكانات بشرية واقتصادية هائلة، وموقعها الجغرافي كان يمكن أن يجعلها أحد أهم مراكز التجارة والطاقة والاستثمار في المنطقة. لكن استمرار الصدام والعقوبات والعزلة يستنزف كل ذلك. المواطن الإيراني هو من يدفع في النهاية ثمن انخفاض قيمة العملة، والتضخم، وضيق فرص العمل والاستثمار، بينما يستمر النظام في إدارة أزمات خارج حدودها.
دول الخليج قدمت خلال السنوات الماضية أكثر من فرصة للتهدئة وفتح صفحات مختلفة مع إيران. ولم تكن الاتصالات السياسية مقطوعة حتى في أصعب الظروف. لكن التهدئة لا يمكن أن تكون من طرف واحد، ولا يمكن أن تنجح دبلوماسية فيما تنشط الاعتداءات المباشرة والمليشيات في الاتجاه الآخر.
دول الخليج تريد احترام السيادة، وقف الاعتداءات، تأمين الملاحة، إنهاء استخدام الأذرع المسلحة، وبناء علاقات طبيعية. لكن إيران هي التي عليها أن تحدد ماذا تريد كنظام، إن أرادت انفراجة، فالطريق معروف. وإن اختارت استمرار الصدام، فعليها أن تدرك أن دول الخليج لم تعد مستعدة لقبول استمرار هذا العداء الذي أضر ومازال باقتصادياتها وشعوبها، لقد وصلنا بالفعل لتجاوز خطوط حمراء كثيرة، ولا يمكن القبول بالمزيد.
باختصار، لا يمكن لإيران أن تستمر في سياسة «أنا ومن بعدي الطوفان»، لأن التاريخ يوثق أن غالبية من وقفوا في وجه طوفان هم كانوا سبباً فيه، غرقوا وانتهوا.