استطاعت مملكة البحرين عبر عقود أن ترسّخ استراتيجيتها الدبلوماسية الحكيمة القائمة على نهج نشر الحوار وسُبل السلام والأمن والأمان والاستقرار على كافة الأصعدة، خليجياً، وإقليمياً، وعربياً، ودولياً، حيث اكتسبت ثقة العالم، والمجتمع الدولي، لاسيما من خلال جهودها القيمة كعضو في مجلس الأمن الدولي، حيث تواصل العمل عبر القنوات القانونية والدبلوماسية لصون حرية الملاحة الدولية، وأمن المنطقة والعالم، وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.

من خلال تلك المعطيات، برز قرار البحرين التاريخي والراسخ بعدم المشاركة في أي اجتماع وزاري مقترح حول الأوضاع في مضيق هرمز، وأنها لن تكون طرفاً في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث نوّه بيان وزارة الخارجية البحرينية إلى أن هذا الموقف سبق إبلاغه إلى الأشقاء في سلطنة عُمان عبر القنوات الرسمية، مع تأكيد البحرين على أن هذا لا ينتقص من تقدير المملكة لمساعيهم المخلصة ولا من التزامها بالحوار سبيلاً لتسوية الخلافات.

ولقد حمل الموقف التاريخي والراسخ للبحرين مجموعة من الرسائل السياسية والدبلوماسية التي يجب على الجميع أن يعلمها، خاصة وأن المملكة حرصت على إرساء موقف حازم وحاسم وصارم يضع الدبلوماسية المشروطة في نصابها الصحيح بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية لاسيما وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة عن الجلوس على طاولة الاجتماعات والمفاوضات والمباحثات، خاصة وأن من ضمن تلك الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة كان استهداف بنيتها التحتية وأعيانها المدنية، وكاد أحدها، باستهداف خزان للأمونيا، أن يفضي إلى كارثة شاملة، ومن ثم كانت رؤية المملكة الواضحة للجميع بأن الحوار والجلوس إلى اجتماع يُعد تجاوزاً للوقائع.

كما حرصت المملكة على تثبيت أن الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة لم تؤذِ البحرين فحسب، بل تحدثت أيضاً عن استهداف خط أنابيب النفط «شرق - غرب» في المملكة العربية السعودية الشقيقة، الجمعة الماضي، الأمر الذي يؤكد أن استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية خطر ماثل لا أمر انقضى، وهو ما يعزّز استراتيجية المملكة وحديثها المستمر والواضح والجلي عن وحدة أمن واستقرار منظومة دول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي.

وكانت البحرين واضحة تماماً في عرض موقفها التاريخي الحازم والحاسم والصارم، خاصة وهي تؤكد أن أمن واستقرار المنطقة لا يُبنى على التغاضي عن الاعتداءات، ولا يُشترى بالسكوت عن آثارها ولا يُصان بسياسة الاسترضاء، لاسيما وأن البحرين هي دائماً التي لها الريادة في التأكيد على التمسّك بحُسن الجوار بوصفه التزاماً قانونياً لا مجاملة سياسية.

من هذا المنطلق، حدّدت البحرين رؤيتها الشاملة للسلام المستدام من خلال 4 أُسس استراتيجية لا غنى عنها وهي، وقف الاعتداءات الإيرانية الغاشمة فوراً، وقيام المسؤولية الدولية عنها وجبر ما ترتب عليها من ضرر، وهذا يتم بإقرار إيران المعتدية بمسؤوليتها الدولية والتزامها بالتعويض عن الأضرار التي تعرّضت لها البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن، ثم احترام السيادة، من خلال منع استخدام أراضي الدول الأخرى كمنصات للعدوان أو زعزعة استقرار الجيران، ثم، تسوية المسائل العالقة بالطرق القانونية، وبالتالي حلّ كافة القضايا الخلافية عبر آليات القانون الدولي وليس عبر فرض الأمر الواقع بالإرهاب والاعتداء الغاشم والآثم.

لذلك، نجد أن البحرين قد أرست منطقاً دبلوماسياً حكيماً ورشيداً سواء من خلال التزامها بالعمل الخليجي المشترك، أو من خلال عضويتها في مجلس الأمن الدولي، بأنها دائماً تنشد السلام، ولا تغلق باباً له، ولكنها في الوقت ذاته، لا تفتحه على حساب الحق، فالسلام الذي لا يقوم على العدل هدنة تنتظر انقضاءها.