الدبلوماسية، في جوهرها، ليست مرادفاً للمهادنة أو تأجيل الاستحقاقات، بل هي أحد أوجه القوة، وأداة لإدارة المصالح، وتحصين السيادة، وإسناد الردع عبر مواقف سياسية محسوبة. ومن هذا المنظور، تتدرج الدبلوماسية بين حالتها الطبيعية، أي الحوار وبناء التفاهمات، والصلابة، حين تُستخدم أدوات الضغط لرفع كلفة الإخلال بالالتزامات، والغِليظة، حين يبلغ الحزم مداه بعد استنفاد قنوات التفاوض.

ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، دخلت منطقة الخليج العربي مرحلة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي وتوازنات الردع. وفي هذا السياق، كثّفت إيران من إنتاج مسارات تفاوضية متعددة المسارات، بما أتاح لها إعادة تدوير أزماتها ضمن أطر سياسية جديدة، ونقل النقاش من جوهر السلوك المهدِّد إلى شكل المبادرة الدبلوماسية. وقد أسهم هذا النهج في تمييع قيمة الموقف السياسي الإقليمي والدولي، عبر إغراقها في مسارات تفاوضية متعاقبة هدفها الاستنزاف الزمني دون تحول جوهري في سلوكها الإقليمي.

ولا تكمن الإشكالية في الحوار ذاته، بل في توظيفه باعتباره أداة لإدارة الضغط لا لمعالجة أسبابه، أو وسيلة لإعادة تأهيل الموقف السياسي من دون تقديم مقابل عملي. فالدبلوماسية التي لا تُقاس بنتائجها، ولا تُربط بالتزامات قابلة للتحقق، قد تتحول إلى غطاء لتطبيع الأزمة، بينما تتراجع أهمية المواقف التي يفترض أن تحدد المسؤولية السياسية عن أسبابها. ومن ثم، لا تُقاس قيمة أي مسار تفاوضي بكثافة اللقاءات أو اتساع المشاركة فيه، بل بقدرته على تغيير السلوك، وإنتاج ضمانات، وترتيب عواقب واضحة على الإخلال بها.

في هذا الإطار، يُقرأ رفض البحرين المشاركة في مؤتمر إقليمي حول أمن مضيق هرمز، كان من المُزمع عقده في سلطنة عُمان وبحضور إيران، باعتباره موقفاً سيادياً يتجاوز دلالته الإجرائية إلى دلالة سياسية أعمق. فالمملكة لا تنسحب من مبدأ الحوار، وإنما تتحفظ على مسار قد يساوي بين الأطراف، أو شرعنة الموقف الإيراني.

وتنطلق المقاربة البحرينية من أن أمن الخليج لا يُدار عبر عناوين منفصلة عن مسببات التوتر. فأمن الملاحة في مضيق هرمز لا ينفصل عن احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والامتناع عن دعم الجهات التي تهدد استقرارها. كما أن أي ترتيبات إقليمية لا تتضمن التزامات محددة، وآليات متابعة، ومساءلة واضحة، ستظل أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى تسويتها.

لذلك، لا تعبّر البحرين عن رفض الجهد الدبلوماسي، بل عن رفض تجريده من شروط فعاليته. فهي تنتهج الدبلوماسية المرنة حين يفتح باباً لتفاهم حقيقي، وتلجأ إلى الصلابة حين تُنتهك الالتزامات، وتحتفظ بالحزم حين تمس التهديدات أمنها الوطني وثوابتها السيادية. والإقليم اليوم أحوج لدبلوماسية ردع وازنة بدل تبني المزيد المسارات الإيرانية العبثية.

البحرين هي أصغر دول المنظومة الخليجية، إلا أنها قدمت أنموذجاً في إدارة الأزمة بكل تفاصيلها، ولم تسمح بأن تتحول المسارات التفاوضية إلى وسيلة لتمييع المسؤولية. بل تأكيد أن الاستقرار المستدام لا يُبنى بإدارة التناقضات، بل بإلزام الأطراف بقواعد واضحة، وتحويل التعهدات إلى أفعال، وربط الانفتاح السياسي باحترام السيادة وحسن الجوار