في ظل التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والعلاقات العامة والاتصال الحكومي والمؤسسي، نشر الأستاذ عمار محمد، محاضر بكلية الإعلام وتقنيات الاتصال بالجامعة الخليجية، دراسة علمية دولية تقدم تصورًا جديدًا لفهم تأثير الثقافة واللغة في ثقة الجمهور بالرسائل التي يتم إنتاجها أو دعمها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وتنطلق الدراسة من سؤال أصبح أكثر أهمية مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي: هل يثق الجمهور بالرسالة بالطريقة نفسها عندما يعرف أن الذكاء الاصطناعي شارك في إعدادها؟ وهل تختلف هذه الثقة باختلاف اللغة والثقافة؟
ويشير البحث إلى أن جانبًا كبيرًا من النظريات الحالية حول الثقة في الذكاء الاصطناعي تم تطويره في مجتمعات غربية وأحادية اللغة، بينما قد تختلف طريقة استقبال الجمهور للرسائل في المجتمعات العربية والخليجية، التي تلعب فيها الثقافة واللغة والعلاقات الاجتماعية دورًا أكبر في تشكيل الثقة والمصداقية.
تتميز الدراسة بتقديمها نموذجًا نظريًا أطلق عليه الباحث اسم "إطار معايرة الثقة الثقافية” Cultural Trust Calibration Framework (CTCF)، ويجمع بين دراسات الاتصال والثقافة وعلم النفس والتفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بهدف تفسير كيف يقرر الجمهور ما إذا كان يثق بالمحتوى الذي يعرف أن الذكاء الاصطناعي شارك في إنتاجه.
ويقدم البحث ثلاثة مفاهيم رئيسية، أولها "مفارقة الأصالة الخوارزمية”، والتي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون قادرًا على إنتاج محتوى دقيق ومتطور والالتزام بالشفافية، لكنه لا يمتلك علاقة إنسانية حقيقية أو تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا مشتركًا مع الجمهور.
أما المفهوم الثاني فهو "معايرة الثقة الثقافية”، ويشرح كيف يعيد الجمهور تقييم ثقته بالرسالة بناءً على اللغة المستخدمة، وطبيعة المصدر، والسياق الثقافي، وحساسية الموضوع. ويطرح المفهوم الثالث، "عدم تماثل الثقة ثنائية اللغة”، فكرة أن الشخص نفسه قد يتفاعل بشكل مختلف مع الرسالة عندما تقدم بالعربية مقارنة بالإنجليزية، لأن كل لغة قد ترتبط لديه بتوقعات مختلفة حول الهوية والمصداقية والأصالة.
وتبرز أهمية الدراسة في البيئة البحرينية والخليجية بسبب الاستخدام الواسع للغتين العربية والإنجليزية في المؤسسات الحكومية. ومن أبرز إسهامات الدراسة أنها لا تكتفي بطرح فكرة نظرية، بل تقدم سبع فرضيات قابلة للاختبار العلمي، تتناول تأثير الثقافة واللغة ونوع الرسالة ومستوى معرفة الجمهور بالذكاء الاصطناعي في بناء الثقة. كما تقترح الدراسة أدوات ومقاييس يمكن للباحثين استخدامها مستقبلًا لاختبار النموذج في مجتمعات ودول مختلفة.
وتناقش الدراسة أيضًا تطبيقات عملية في مجالات الاتصال الحكومي والصحة العامة وإدارة الأزمات والعلاقات العامة، وتشير إلى أهمية استمرار دور الإنسان في مراجعة واعتماد الرسائل الحساسة التي تستخدم فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما تؤكد أن الشفافية لا تعني فقط وضع عبارة تفيد بأن المحتوى أُنتج بالذكاء الاصطناعي، بل يجب أن تكون طريقة الإفصاح واضحة ومفهومة وتحافظ على ثقة الجمهور، مع ضرورة أن تكون أي إشارة إلى المراجعة البشرية مبنية على مراجعة فعلية وليست مجرد صياغة اتصالية.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث الأستاذ عمار محمد أن البيئة الخليجية تشكل نموذجًا ميدانيًا فريدًا لدراسة هذه التقاطعات، نظراً للاستخدام المتزامن للغتين العربية والإنجليزية. وأشار إلى أهمية إسهام الأبحاث الصادرة من مملكة البحرين ودول الخليج في صياغة وتطوير النظريات العالمية لمستقبل الاتصال والتقنية، بما يعزز مساعي الجامعة الخليجية في دعم التحول الرقمي وإبراز دور الباحثين المحليين في المحافل العلمية الدولية.
وتناولت الدراسة تطبيقات عملية حيوية تشمل الاتصال الحكومي، والصحة العامة، وإدارة الأزمات، والعلاقات العامة؛ مشددة على ضرورة الدور البشري المستمر في مراجعة واعتماد الرسائل الحساسة. كما دعت إلى تبني مفاهيم شفافة للإفصاح تتجاوز مجرد الإشارة التقليدية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتكون واضحة ومحافظة على ثقة الجمهور، مع التأكيد على أن أي إشارة للمراجعة البشرية يجب أن تستند إلى تدقيق فعلي وحقيقي بعيدًا عن الشكليات الاتصالية.