أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي أن الجاهزية الإعلامية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، مشدداً على أهمية تعزيز العمل الإعلامي الخليجي المشترك والتصدي للحملات الإعلامية المضللة، بما يسهم في إيصال صوت دول المجلس وحقائق مواقفها إلى العالم بمصداقية وشفافية.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها البديوي في قمة الإعلام العربي 2026 المنعقدة في مدينة دبي، حيث أشاد بالجهود التي يبذلها الرئيس السوري أحمد الشرع لإعادة سوريا إلى مكانتها الإقليمية والدولية، وفتح آفاق أوسع للبناء والتنمية والاستقرار، متمنياً لسوريا وشعبها دوام التقدم والرخاء.
واستهل البديوي كلمته بالإشادة بالمسيرة الإعلامية التي انطلقت من دبي قبل 25 عاماً، مستشهداً بعبارة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «وراء كل قائد عظيم فريق عظيم»، معتبراً أنها تختصر جانباً مهماً من قصة نجاح المسيرة الإعلامية في دبي.
وقال إن مرور 25 عاماً على هذه المسيرة لا يمثل مجرد احتفال بحدث استمر ربع قرن، وإنما يعكس رؤية قيادية آمنت بأهمية الإعلام، وفريق عمل حمل هذه الرؤية من جيل إلى جيل، وأسهم في تحويلها إلى منصة عربية كبرى للحوار والتأثير وصناعة مستقبل الإعلام.
وأشاد بدور سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم ونادي دبي للصحافة، بقيادة منى المري، في تطوير القمة وتنظيمها، مؤكداً أن دبي نجحت في ترسيخ نموذج يقوم على رؤية قيادية سبقت زمنها، وفريق عمل حوّل الرؤية إلى واقع، ومؤسسات واصلت التطوير والتجديد، ولم تتوقف عند النجاحات التي تحققت.
وأشار البديوي إلى أن منتدى الإعلام العربي، منذ انطلاقه في دبي عام 2001، واكب التحولات الكبرى التي شهدها المشهد الإعلامي، بدءاً من قضايا الإعلام التقليدي والحريات المهنية، مروراً بتحديات الحروب والأزمات والتحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى ومستقبل الإعلام.
وأوضح أن إطلاق قمة الإعلام العربي عام 2024 شكل محطة جديدة في هذه المسيرة، لتصبح مظلة جامعة لمجموعة من أبرز المنتديات والجوائز والمبادرات الإعلامية العربية، مشيراً إلى استقطابها عشرات الآلاف من الإعلاميين والقيادات والخبراء، وتجاوز عدد المشاركين في إحدى دوراتها 7 آلاف مشارك.
وقال البديوي إن التحولات الرقمية المتسارعة، بما فيها انتشار المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والخوارزميات القادرة على إيصال الخبر إلى الملايين خلال ثوان، صاحبتها سلوكيات خاطئة، من بينها خطابات الكراهية وتضليل المعلومات، بما يهدد النسيج الاجتماعي للمجتمعات.
وأكد أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، وإنما أصبح شريكاً أساسياً وفاعلاً في صناعة الوعي وبناء الثقة بين المجتمعات ومؤسساتها، مشدداً على أن مسؤولية الإعلام تتزايد يوماً بعد يوم في مواجهة المعلومات المغلوطة والحملات الممنهجة.
وأضاف: «سلاح الإعلام يتصدر خطوط المواجهة الأولى في معركة تشكيل الإدراك العام وحماية العقول وبناء مناعة مجتمعية قادرة على التمييز بين الحقيقة والزيف».
وأشار الأمين العام لمجلس التعاون إلى أن مسيرة العمل الإعلامي الخليجي رافقت مسيرة مجلس التعاون منذ انطلاقها قبل 46 عاماً، مؤكداً أن القادة المؤسسين والحاليين آمنوا بأهمية الإعلام المسؤول باعتباره عنصراً أساسياً في دعم مسيرة التنمية الشاملة.
وأوضح أن دول المجلس أولت العمل الإعلامي الخليجي اهتماماً بالغاً، إدراكاً لدوره المحوري في ترسيخ الهوية الخليجية وتعزيز تلاحم شعوب ودول المجلس، ودعم مسارات التحديث والتطوير.
ولفت إلى أن العمل الخليجي المشترك أثمر العديد من القرارات والاستراتيجيات الإعلامية، من بينها الخطة الاستراتيجية للتعاون الإعلامي المشترك لدول مجلس التعاون للفترة 2023–2030، والتي ترتكز على عدد من المحاور، أبرزها تطوير المحتوى الإعلامي الخليجي المشترك بما يعكس الواقع المشرق لدول المجلس وقيمها الحضارية، والتوعية لحماية الأخلاق والتنشئة الاجتماعية وغرس القيم والهوية الخليجية، إلى جانب المبادرة الرقمية المشتركة حول السلامة الرقمية للطفل الخليجي. كما تشمل الاستراتيجية تعزيز التعاون الإعلامي الدولي من خلال برامج الشراكات الإعلامية مع الدول الشقيقة والصديقة.
وأكد البديوي أن هذه الاستراتيجية تعكس إدراك دول المجلس بأن الإعلام يمثل استثماراً في الأمن الفكري والتماسك الاجتماعي والتنمية المستدامة، إلى جانب تعزيز الخطاب الإعلامي الموجه إلى الداخل والخارج وشرح المواقف الخليجية باللغات والأساليب التي تصل إلى المجتمعات الدولية.
وتطرق البديوي إلى الأزمات التي مرت بها المنطقة، مشيراً إلى ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية التي استهدفت أمن دول مجلس التعاون وسيادتها وسلامة أراضيها، وما رافقها من حملات تضليل منظمة وتزييف للوقائع ومحاولات لإرباك الرواية.
وأوضح أنه في ضوء هذه التحديات عقد وزراء الإعلام بدول مجلس التعاون اجتماعهم الاستثنائي في 9 مارس 2026، لبحث سبل التعامل معها، مؤكداً أهمية الخروج برؤية وتصور مشترك لتعزيز العمل الإعلامي الخليجي ووضع آليات عملية للتعامل مع الحملات الإعلامية المضللة.
وشدد على أهمية الاستفادة من مختلف المنصات الإعلامية التقليدية والرقمية الخليجية لإيصال صوت دول المجلس وحقائقها إلى العالم بمصداقية وشفافية.
وأشاد بما وصفه بالمهنية والمسؤولية العالية التي أظهرها الإعلام الخليجي في نقل الحقائق والتصدي للشائعات والتواصل المباشر والسريع مع الجمهور، وتعزيز ثقة المواطنين بكفاءة مؤسساتهم العسكرية والمدنية في التعامل مع الأحداث.
وأكد أن هذه الأزمة «برهنت على أن الجاهزية الإعلامية جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، وليست ملحقاً به».
وأشار البديوي إلى وجود تناغم واضح بين أهداف قمة الإعلام العربي ورؤية مجلس التعاون لتطوير إعلام مهني حديث ومؤثر، مؤكداً أن دول المجلس تسعى إلى إعلام «يرتقي بالوعي، ويحترم الحقيقة ويخدم التنمية».
كما شدد على أهمية القمة في دعم التحول الرقمي للإعلام العربي، في ظل التسارع غير المسبوق في التقنيات، مؤكداً ضرورة مواكبة هذه التطورات مع الحفاظ على القيم المهنية والأخلاقية التي تمثل جوهر الرسالة الإعلامية، وربط الإعلام العربي بأفضل الممارسات العالمية.
وفي ختام كلمته، وجه البديوي رسالتين؛ الأولى إلى القائمين على قمة الإعلام العربي، مؤكداً أن 25 عاماً من مسيرة القمة أثبتت أن «الرؤية تصنع البداية، والفريق يصنع الإنجاز، والاستمرار يصنع التاريخ».
أما رسالته الثانية فوجهها إلى الإعلاميين، مؤكداً أنه كلما ازدادت التحديات التي تواجه المنطقة ازدادت الحاجة إلى إعلام مهني وواعٍ ومسؤول يحمي الحقيقة، ويعزز الاستقرار، ويبني الوعي، ويعبر عن تطلعات شعوب دول المجلس.
وأكد أن مجلس التعاون سيظل شريكاً دائماً لكل جهد يرتقي بالإعلام العربي إلى المكانة التي يستحقها.