نحن اليوم في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تعبرها السفن، وإنما أصبحت شرايين استراتيجية تتحكم بدرجة كبيرة في حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن بين أهم هذه الممرات يبرز باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، باعتبارها حلقة الوصل التي تربط المحيط الهندي والخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا. ولذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة لا يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يمكن أن تبدأ آثاره في الأسواق العالمية حتى تصل إلى حياة الناس اليومية.

ويزداد الموضوع أهمية مع التطورات العسكرية والأمنية المتسارعة في اليمن، حيث نرى جماعة الحوثيين تعبث بالساحل الغربي المطل على البحر الأحمر محاولين إحداث تقدم على هذا المحور والسيطرة على بعض المناطق والجزر ذات الأهمية الاستراتيجية القريبة من باب المندب، الأمر الذي يعيد المخاوف من جديد بشأن أمن الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

ما هي أهمية باب المندب؟

باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن خلاله تمر السفن القادمة من المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي باتجاه البحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.

ومن هنا تكمن الخطورة، فإذا تعرضت الملاحة فيه للخطر، فإن السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا قد تضطر إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.

وهذا يعني أن أي رحلة تكون أطول، وستحرق وقوداً أكثر، وستكون تكاليف التأمين أعلى، وسوف تستغرق زمناً إضافياً طويل لوصول البضائع.

وقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل تحويل شركات شحن مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر بسبب المخاطر الأمنية، فيما شهد هذا العام 2026م، بعض المحاولات للعودة التدريجية إلى خط قناة السويس، ولكنها ظلت لكونها مرتبطة بمستوى المخاطر الأمنية في المنطقة.

البحر الأحمر يتحول من ممر تجاري إلى ساحة صراع، وهذا التحول يعد الأخطر لكون أن البحر الأحمر لم يعد ينظر إليه باعتباره ممراً تجارياً آمناً فحسب، بل أصبح جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع.

فالهجمات على السفن والتهديدات الموجهة إلى الملاحة جعلت شركات النقل البحري تضع الأمن في مقدمة حساباتها، إلى جانب تكلفة الرحلة والوقت.

وأما عن التطورات الأخيرة في اليمن قد ترفع مستوى المخاطر أكثر، وخصوصاً مع اقتراب الحوثيين إلى المنطقة القريبة من باب المندب حيث إنهم يحاولون السيطرة على بعض المواقع والجزر الاستراتيجية في محيطه. وهذا التطور يأتي في وقت يشهد فيه الإقليم أصلاً توترات كبيرة حول مضيق هرمز وأمن الطاقة.

ومن هنا فإن الخطورة لا تكمن فقط في إغلاق باب المندب بصورة كاملة، وإنما أيضاً في تحويله إلى منطقة عالية المخاطر تجعل شركات الملاحة تتردد في استخدامه.

وبالنسبة لقناة السويس فهي تمثل الطرف الشمالي لهذا الممر الحيوي، حيث إنها تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وتوفر أقصر طريق بحري رئيسي بينهما.

حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها الوفي، والخليج العربي وقادته وشعوبه الأوفياء من كل شر ومكروه، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان.

* محلل سياسي وخبير استراتيجي